الشنقيطي

208

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية حكمتين من حكم إنزال القرآن على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : إحداهما - أن يبين للناس ما نزل إليهم في هذا الكتاب من الأوامر والنواهي ، والوعد والوعيد ، ونحو ذلك . وقد بين هذه الحكمة في غير هذا الموضع أيضا ؛ كقوله : وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ [ النحل : 64 ] ، وقوله إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ [ النساء : 105 ] الآية . الحكمة الثانية - هي التفكر في آياته والاتعاظ بها ؛ كما قال هنا : وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 44 ) . وقد بين هذه الحكمة في غير هذا الموضع أيضا ؛ كقوله : كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 29 ) [ ص : 29 ] ، وقوله : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ( 82 ) [ النساء : 82 ] ، وقوله : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها ( 24 ) [ محمد صلى اللّه عليه وسلم : 24 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . قوله تعالى : أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ( 45 ) [ 45 ] . أنكر اللّه جل وعلا على الذين يعملون السيئات من الكفر والمعاصي ، ومع ذلك يأمنون عذاب اللّه ولا يخافون أخذه الأليم ، وبطشه الشديد ، وهو قادر على أن يخسف بهم الأرض ، ويهلكهم بأنواع العذاب . والخسف : بلع الأرض المخسوف به وقعودها به إلى أسفل ؛ كما فعل اللّه بقارون ، قال اللّه تعالى فيه : فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ [ القصص : 81 ] الآية . وبين هذا المعنى في مواضع كثيرة ؛ كقوله : أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ ( 16 ) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ [ الملك : 16 - 17 ] الآية ، وقوله : أَ فَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا ( 68 ) [ الإسراء : 68 ] وقوله : أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ ( 99 ) [ الأعراف : 99 ] وقد قدمنا طرفا من هذه في أول « سورة الأعراف » . واختلف العلماء في إعراب « السيئات » في هذه الآية الكريمة ؛ فقال بعض العلماء : نعت لمصدر محذوف ؛ أيّ مكروا المكرات السيئات ، أيّ القبيحات قبحا شديدا ؛ كما ذكر اللّه عنهم في قوله : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ [ الأنفال : 30 ] الآية . وقال بعض العلماء : مفعول به ل « مكروا » على تضمين « مكروا » معنى فعلوا . وهذا أقرب أوجه الإعراب عندي . وقيل : مفعول به ل « أمن » أيّ أكمن الماكرون السيئات : أيّ العقوبات الشديدة التي تسوءهم عند نزولها بهم . ذكر الوجه الأول الزمخشري ، والأخيرين ابن عطية . وذكر الجميع أبو حيان في « البحر المحيط » .