الشنقيطي
209
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
تنبيه كل ما جاء في القرآن من همزة استفهام بعدها واو العطف أو فاؤه ؛ كقوله : أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً [ الزخرف : 5 ] ، أَ فَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ [ سبأ : 34 ] ، أَ فَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ [ الجاثية : 31 ] الخ ، وفيه وجهان معروفان عند علماء العربية : أحدهما - أن الفاء والواو كلتاهما عاطفة ما بعدها على محذوف دل المقام عليه ؛ كقولك مثلا : أنمهلكم فنضرب عنكم الذكر صفحا ؟ ! أعموا فلم يروا إلى ما بين أيديهم ؟ ! ألم تأتكم آياتي فلم تكن تتلى عليكم ؟ ! وهكذا - وإلى هذا الوجه أشار ابن مالك في الخلاصة بقوله : وحذف متبوع بدا هنا استبح * وعطفك الفعل على الفعل يصح ومحل الشاهد في الشطر الأول دون الثاني . الوجه الثاني - أن الفاء والواو كلتاهما عاطفة للجملة المصدرة بهمزة الاستفهام على ما قبلها ؛ إلا أن همزة الاستفهام تزحلقت عن محلها فتقدمت على الفاء والواو ، وهي متأخرة عنهما في المعنى ، وإنما تقدمت لفظا عن محلها معنى لأن الاستفهام له صدر الكلام . فبهذا تعلم : أن في قوله تعالى في هذه الآية التي هي قوله : أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ الآية - الوجهين المذكورين ؛ فعلى الأول - فالمعنى أجهل الذين مكروا السيئات وعيد اللّه بالعقاب ؟ أفأمن الذين مكروا السيئات الخ . وعلى الثاني - فالمعنى فأأمن الذين مكروا السيئات ؛ فالفاء عاطفة للجملة المصدرة بالاستفهام . والأول هو الأظهر . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ [ 48 ] الآية . تقدم بيان هذه الآية وأمثالها من الآيات في « سورة الرعد » . قوله تعالى : وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ( 51 ) [ 51 ] . نهى اللّه جل وعلا في هذه الآية الكريمة جميع البشر عن أن يعبدوا إلها آخر معه ، وأخبرهم أن المعبود المستحق لأن يعبد وحده واحد ، ثم أمرهم أن يرهبوه أيّ يخافون وحده ؛ لأنه هو الذي بيده الضر والنفع ، لا نافع ولا ضار سواه . وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة ؛ كقوله : فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 50 ) وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 51 ) [ الذاريات : 50 - 51 ] ، وقوله : الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ ( 26 ) [ ق : 26 ] وقوله : لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ