الشنقيطي
179
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
تنبيه اشترط المالكية في منع بيع الحيوان باللحم من جنسه : ألا يكون اللحم مطبوخا . فإن كان مطبوخا جاز عندهم بيعه بالحيوان من جنسه ، وهو معنى قول خليل في مختصره . وفسد منهي عنه إلا بدليل كحيوان بلحم جنسه إن لم يطبخ . واحتجوا لذلك بأن الطبخ ينقل اللحم عن جنسه فيجوز التفاضل بينه وبين اللحم الذي لم يطبخ ؛ فبيعه بالحيوان من باب أولى - هكذا يقولون والعلم عند اللّه تعالى . المسألة الرابعة - اعلم أن ظاهر هذه الآية الكريمة يدل على أنه يجوز للرجل أن يلبس الثوب المكلل باللؤلؤ والمرجان ؛ لأن اللّه جل وعلا قال فيها في معرض الامتنان العام على خلقه عاطفا على الأكل وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها [ النحل : 14 ] وهذا الخطاب خطاب الذكور كما هو معروف . ونظير ذلك قوله تعالى في سورة فاطر : وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها [ فاطر : 12 ] وقال القرطبي في تفسيره : امنن اللّه سبحانه على الرجال والنساء امتنانا عاما بما يخرج من البحر ، فلا يحرم عليهم شيء منه ، وإنما حرم تعالى على الرجال الذهب والحرير . وقال صاحب الإنصاف : يجوز للرجل والمرأة التحلي بالجوهر ونحوه ، وهو الصحيح من المذهب : وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يجوز للرجل أن يلبس الثوب المكلل باللؤلؤ مثلا ، ولا أعلم للتحريم مستندا إلا عموم الأحاديث الواردة بالزجر البالغ عن تشبه الرجال بالنساء ، كالعكس ! قال البخاري في صحيحه : « باب المتشبهين بالنساء والمتشبهات بالرجال » : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : « لعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المتشبّهين من الرّجال بالنّساء والمتشبّهات من النّساء بالرّجال » « 1 » . فهذا الحديث نص صريح في أن تشبه الرجال بالنساء حرام ، لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم لا يلعن أحدا إلا على ارتكاب حرام شديد الحرمة . ولا شك أن الرجل إذ لبس اللؤلؤ والمرجان فقد تشبه بالنساء . فإن قيل : يجب تقديم الآية على هذا الحديث ، وما جر مجراه من الأحاديث من وجهين : الأول - أن الآية نص متواتر ، والحديث المذكور خبر آحاد ، والمتواتر مقدم على الآحاد . الثاني - أن الحديث عام في كل أنواع التشبه بالنساء ، والآية خاصة في إباحة الحلية المستخرجة من البحر ، والخاص مقدم على العام ؟ فالجواب : أنا لم نر من تعرض لهذا . والذي يظهر لنا واللّه تعالى أعلم : أن الآية الكريمة وإن كانت أقو سندا وأخص في محل النزاع فإن الحديث أقو دلالة على محل النزاع منها ؛ وقوة الدلالة في نص صالح
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في اللباس حديث 5885 .