الشنقيطي
173
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
فهذا أعظم برهان قاطع على وجود فاعل مختار ، يفعل ما يشاء كيف يشاء ، سبحانه جل وعلا عن الشركاء والأنداد . ومن أوضح الأدلة على أن الطبيعة لا تؤثر في شيء إلا بمشيئته جل وعلا - أن النار مع شدة طبيعة الإحراق فيها ألقى فيها الحطب وإبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ، ولا شك أن الحطب أصلب وأقسى وأقو من جلد إبراهيم ولحمه ؛ فأحرقت الحطب بحرها ، وكانت على إبراهيم بردا وسلاما لما قال لها خالقها : قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ ( 69 ) [ الأنبياء : 69 ] فسبحان من لا يقع شيء كائنا ما كان إلا بمشيئته جل وعلا ، فعال لما يريد . وقوله في هذه الآية الكريمة : يَذَّكَّرُونَ أصله يتذكرون ، فأدغمت التاء في الذال . والأذكار : الاعتبار والاتعاظ . قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 14 ) [ 14 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه سخر البحر ؛ أي ذلله لعباده حتى تمكنوا من ركوبه ، والانتفاع بما فيه من الصيد والحلية ، وبلوغ الأقطار التي تحول دونها البحار ، للحصول على أرباح التجارات ونحو ذلك . فتسخير البحر للركوب من أعظم آيات اللّه ؛ كما بينه في مواضع أخر ؛ كقوله : وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ( 41 ) وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ ( 42 ) [ يس : 41 - 42 ] ، وقوله : * اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 12 ) [ الجاثية : 12 ] إلى غير ذلك من الآيات . وذكر في هذه الآية أربع نعم من نعمه على خلقه بتسخير البحر لهم : الأولى - قوله : لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وكرر الامتنان بهذه النعمة في القرآن ؛ كقوله : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ [ المائدة : 96 ] الآية ، وقوله : وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا [ فاطر : 12 ] الآية . الثانية - قوله : وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وكرر الامتنان بهذه النعمة أيضا في القرآن ؛ كقوله : يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ ( 22 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 23 ) [ الرحمن : 22 - 23 ] واللؤلؤ والمرجان : هما الحلية التي يستخرجونها من البحر للبسها ، وقوله : وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها [ فاطر : 12 ] .