الشنقيطي
174
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الثالثة - قوله تعالى : وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وكرر في القرآن الامتنان بشق أمواج البحر على السفن ، كقوله : وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ ( 42 ) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ ( 43 ) [ يس : 43 ] الآية ، وقوله : وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ [ إبراهيم : 32 ] . الرابعة - الابتغاء من فضله بأرباح التجارات بواسطة الحمل على السفن المذكور في قوله هنا : وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ أي كأرباح التجارات . وكرر في القرآن الامتنان بهذه النعمة أيضا ؛ كقوله في « سورة البقرة » : وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ [ البقرة : 164 ] ، وقوله في « فاطر » : وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 12 ) [ فاطر : 12 ] ، وقوله في « الجاثية » : * اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 12 ) [ الجاثية : 12 ] إلى غير ذلك من الآيات . مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة : المسألة الأولى - لا مفهوم مخالفة لقوله لَحْماً طَرِيًّا فلا يقال : يفهم من التقييد بكونه طريا أن اليابس كالقديد مما في البحر لا يجوز أكله ؛ بل يجوز أكل القديد مما في البحر بإجماع العلماء . وقد تقرر في الأصول : أن من موانع اعتبار مفهوم المخالفة كون النص مسوقا للامتنان ؛ فإنه إنما قيد بالطري لأنه أحسن من غيره ، فالامتنان به أتم . وقد أشار إلى هذا صاحب مراقي السعود بقوله عاطفا على موانع اعتبار مفهوم المخالفة : أو امتنان أو وفاق الواقع * والجهل والتأكيد عند السامع ومحل الشاهد قوله « أو امتنان » وقد قدمنا هذا في « سورة المائدة » . المسألة الثانية - اعلم أن علماء المالكية قد أخذوا من هذه الآية الكريمة : أن لحوم ما في البحر كلها جنس واحد ؛ فلا يجوز التفاضل بينها في البيع ، ولا بيع طريها بيابسها لأنها جنس واحد . قالوا : لأن اللّه عبر عن جميعها بلفظ واحد ، وهو قوله في هذه الآية الكريمة : وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وهو شامل لما في البحر كله . ومن هنا جعل علماء المالكية ، للحوم أربعة أجناس لا خامس لها : الأول - لحم ما في البحر كله جنس واحد ، لما ذكرنا .