الشنقيطي

169

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

طعامه الذي به حياته ، ويفكر في الماء الذي هو سبب إنبات حبه - من أنزله ! ؟ ثم بعد إنزال الماء وري الأرض من يقدر على شق الأرض عن النبات وإخراجه منها ! ؟ ثم من يقدر على إخراج الحب من ذلك النبات ! ؟ ثم من يقدر على تنميته حتى يصير صالحا للأكل ! ؟ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ [ الأنعام : 99 ] الآية . وذلك في قوله تعالى : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ ( 24 ) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ( 25 ) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ( 26 ) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا ( 27 ) وَعِنَباً وَقَضْباً ( 28 ) وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا ( 29 ) وَحَدائِقَ غُلْباً ( 30 ) وَفاكِهَةً وَأَبًّا ( 31 ) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ( 32 ) [ عبس : 24 - 32 ] . وكذلك يجب على الإنسان النظر في الشيء الذي خلق منه ، لقوله تعالى : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ( 5 ) [ الطارق : 5 ] وظاهر القرآن : أن النظر في ذلك واجب ، ولا دليل يصرف عن ذلك . التنبيه الثاني : اعلم أنه جل وعلا أشار في هذه الآيات من أول سورة « النحل » إلى براهين البعث الثلاثة ، التي قدمنا أن القرآن العظيم يكثر فيه الاستدلال بها على البعث . الأول - خلق السماوات والأرض المذكور في قوله : خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ [ النحل : 3 ] الآية . والاستدلال بذلك على البعث كثير في القرآن ، كقوله : أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها ( 27 ) رَفَعَ سَمْكَها [ النازعات : 27 - 28 ] إلى قوله : مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ( 33 ) [ النازعات : 33 ] ، وقوله : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى [ الأحقاف : 33 ] ، وقوله : لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [ غافر : 57 ] الآية ، وقوله : أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ( 81 ) [ يس : 81 ] إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم . البرهان الثاني - خلق الإنسان أولا المذكور في قوله : خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ [ النحل : 4 ] لأن من اخترع قادر على الإعادة ثانيا . وهذا يكثر الاستدلال به أيضا على البعث ، كقوله : قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ( 79 ) [ يس : 79 ] ، وقوله : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ [ الروم : 27 ] الآية ، وقوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ [ الحج : 5 ] ، وقوله : أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ( 15 ) [ ق : 15 ] إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم . البرهان الثالث - إحياء الأرض بعد موتها المذكور هنا في قوله : يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ [ النحل : 11 ] الآية ، فإنه يكثر في القرآن الاستدلال به على البعث أيضا ، كقوله : فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى [ فصلت : 39 ] ، وقوله : وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ ( 11 ) [ ق : 11 ] أي كذلك الإحياء خروجكم من قبوركم أحياء بعد الموت ، وقوله : وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ