الشنقيطي

153

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

والآفات التي كانت سبب هلاكهم مشهورة في التاريخ . قوله تعالى : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ( 97 ) [ 97 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يعلم أن نبيه صلى اللّه عليه وسلم يضيق صدره بما يقول الكفار فيه : من الطعن والتكذيب ، والطعن في القرآن . وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر ؛ كقوله : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ [ الأنعام : 33 ] ، وقوله : فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ [ هود : 12 ] ، وقوله : فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً ( 6 ) [ الكهف : 6 ] وقوله : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 3 ) [ الشعراء : 3 ] إلى غير ذلك من الآيات . وقد قدمنا شيئا من ذلك من الأنعام . قوله تعالى : فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ( 98 ) [ 98 ] . أمر جل وعلا نبيه صلى اللّه عليه وسلم في هذه الآية بأمرين : أحدهما - قوله : فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ، والثاني - قوله : وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ( 98 ) . وقد تكرر تعالى في كتابة الأمر بالشيئين المذكورين في هذه الآية الكريمة ، كقوله في الأول : فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً ( 3 ) [ النصر : 3 ] ، وقوله : فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها [ طه : 130 ] ، وقوله : فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ والآيات بمثل ذلك كثيرة . وأصل التسبيح في اللغة : الإبعاد عن السوء . ومعناه في عرف الشرع : تنزيه اللّه جل وعلا عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله . ومعنى سبح : نزه ربك جل وعلا عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله . وقوله بِحَمْدِ رَبِّكَ أي في حال كونك متلبسا بحمد ربك ، أي بالثناء عليه بجميع ما هو أهله من صفات الكمال والجلال ، لأن لفظة بِحَمْدِ رَبِّكَ أضيفت إلى معرفة فتعم جميع المحامد من كل وصف كمال وجلال ثابت للّه جل وعلا . فتستغرق الآية الكريمة الثناء بكل كمال ، لأن الكمال يكون بأمرين : أحدهما - التخلي عن الرذائل ، والتنزه عما لا يليق ، وهذا معنى التسبيح . والثاني - التحلي بالفضائل والاتصاف بصفات الكمال ، وهذا معنى الحمد ، فتم الثناء بكل كمال . ولأجل هذا المعنى ثبت في الصحيح عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « كلمتان خفيفتان على اللّسان ، ثقيلتان في الميزان ، حبيبتان إلى الرّحمن : سبحان اللّه وبحمده ، سبحان اللّه