الشنقيطي

152

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

يَصَّدَّعُونَ ( 43 ) [ الروم : 43 ] أي يتفرقون : فريق في الجنة وفريق في السعير ؛ بدليل قوله تعالى : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ( 14 ) [ الروم : 14 ] ومنه قول غيلان ذي الرمة : عشية قلبي في المقيم صديعه * وراح جناب الظاعنين صديع يعني أن قلبه افترق إلى جزءين : جزء في المقيم ، وجزء في الطاعنين . وعلى هذا القول - فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ أي فرق بين الحق والباطل بما أمرك اللّه بتبليغه . وقوله : بِما تُؤْمَرُ يحتمل أن تكون « ما » موصولة . ويحتمل أن تكون مصدرية ، بناء على جواز سبك المصدر من أن والفعل المبني للمفعول ، ومنع ذلك جماعة من علماء العربية . قال أبو حيان في ( البحر ) : والصحيح أن ذلك لا يجوز . قوله تعالى : وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( 94 ) [ 94 ] . في هذه الآية الكريمة قولان معروفان للعلماء : أحدهما - أن معنى وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ أي لا تبال بتكذيبهم واستهزائهم ، ولا يصعب عليك ذلك ؛ فاللّه حافظك منهم . والآية على هذا التأويل معناها : فاصدع بما تؤمر - أي بلغ رسالة ربك ، وأعرض عن المشركين ، أي لا تبال بهم ولا تخشهم . وهذا المعنى كقوله تعالى : * يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [ المائدة : 67 ] . الوجه الثاني - وهو الظاهر في معنى الآية - أنه كان في أول الأمر مأمورا بالإعراض عن المشركين ، ثم نسخ ذلك بآيات السيف . ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى : اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( 106 ) [ الأنعام : 106 ] ، وقوله : فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ ( 30 ) [ السجدة : 30 ] ، وقوله : فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ( 29 ) [ النجم : 29 ] وقوله : وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ [ الأحزاب : 48 ] إلى غير ذلك من الآيات . قوله تعالى : إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ( 95 ) [ 95 ] . بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه كفى نبيه صلى اللّه عليه وسلم المستهزئين الذين كانوا يستهزئون به وهم قوم من قريش . وذكر في مواضع أخر أنه كفاه غيرهم ؛ كقوله في أهل الكتاب : فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ [ البقرة : 137 ] الآية ، وقوله : أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ [ الزمر : 36 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات . والمستهزئون المذكورون : هم الوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل ، والحارث بن قيس السهمي والأسود بن عبد يغوث ، والأسود بن المطلب .