الشنقيطي
147
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه أتى نبيه صلى اللّه عليه وسلم سبعا من المثاني والقرآن العظيم . ولم يبين هنا المراد بذلك . وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية الكريمة إن كان لها بيان في كتاب اللّه غير واف بالمقصود ، أننا نتمم ذلك البيان من السنة ، فنبين الكتاب بالسنة من حيث إنها بيان للقرآن المبين باسم الفاعل . فإذا علمت ذلك فاعلم أن النبي صلى اللّه عليه وسلم بين في الحدث الصحيح : أن المراد بالسبع المثاني والقرآن العظيم في هذه الآية الكريمة : هو فاتحة الكتاب . ففاتحة الكتاب مبينة للمراد بالسبع المثاني والقرآن العظيم ، وإنما بينت ذلك بإيضاح النبي صلى اللّه عليه وسلم لذلك في الحديث الصحيح . قال البخاري في صحيحه في تفسير هذه الآية الكريمة : حدثني محمد بن بشار ، حدثنا غندر ، حدثنا شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن ، عن حفص بن عاصم ، عن أبي سعيد بن المعلى قال : مرّ بي النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم وأنا أصلّي ، فدعاني فلم آته حتّى صلّيت ، ثمّ أتيت فقال : « ما منعك أن تأتيني » فقلت : كنت أصلّي . فقال : « ألم يقل اللّه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ - ثمّ قال : - ألا أعلّمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد » فذهب النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم ليخرج فذكّرته فقال : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ هي السّبع المثاني والقرآن العظيم الّذي أوتيته » . حدثنا آدم حدثنا ابن أبي ذئب ، حدثنا سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أمّ القرآن هي السّبع المثاني والقرآن العظيم » « 1 » . فهذا نص صحيح من النبي صلى اللّه عليه وسلم أن المراد بالسبع المثاني والقرآن العظيم : فاتحة الكتاب ، وبه تعلم أن قول من قال إنها السبع الطوال غير صحيح ، إذ لا كلام لأحد معه صلى اللّه عليه وسلم . ومما يدل على عدم صحة ذلك القول : أن آية الحجر هذه مكية ، وأن السبع الطوال ما أنزلت إلا بالمدينة . والعلم عند اللّه تعالى . وقيل لها « مثاني » لأنها تثنى قراءتها في الصلاة . وقيل لها « سبع » لأنها سبع آيات . وقيل لها « القرآن العظيم » لأنها هي أعظم سورة ؛ كما ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في الحديث الصحيح المذكور آنفا . وإنما عطف القرآن العظيم على السبع المثاني مع أن المراد بهما واحد وهو الفاتحة لما علم في اللغة العربية : من أن الشيء الواحد إذا ذكر بصفتين مختلفتين جاز عطف إحداهما على الأخر تنزيلا لتغابر الصفات منزلة تغابر الذوات ؛ ومنه قوله تعالى : سَبِّحِ
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة الحجر حديث 4703 و 4704 .