الشنقيطي

148

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ( 1 ) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ( 2 ) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى ( 3 ) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى ( 4 ) [ الأعلى : 1 - 4 ] ، وقول الشاعر : إلى الملك القرم وابن الهمام * وليث الكتيبة في المزدحم قوله تعالى : لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ [ 88 ] . لما بين تعالى أنه آتى النبي صلى اللّه عليه وسلم السبع المثاني والقرآن العظيم ، وذلك أكبر نصيب ، وأعظم حظ عند اللّه تعالى ، نهاه أن يمد عينيه إلى متاع الحياة الدنيا الذي متع به الكفار ؛ لأن من أعطاه ربه جل وعلا النصيب الأكبر والحظ الأوفر ، لا ينبغي له أن ينظر إلى النصيب الأحقر الأخس ، ولا سيما إذا كان صاحبه إنما أعطيه لأجل الفتنة والاختبار . وأوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع ، كقوله في ( طه ) : فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى ( 130 ) وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى ( 131 ) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى ( 132 ) [ طه : 130 - 132 ] والمراد بالأزواج هنا : الأصناف من الذين متعهم اللّه بالدنيا . قوله تعالى : وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ [ 88 ] . الصحيح في معنى هذه الآية الكريمة : أن اللّه نهى نبيه صلى اللّه عليه وسلم عن الحزن على الكفار إذا امتنعوا من قبول الإسلام . ويدل لذلك كثرة ورود هذا المعنى في القرآن العظيم ؛ كقوله : وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ( 127 ) [ النحل : 127 ] ، وقوله : فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [ فاطر : 8 ] ، وقوله : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 3 ) [ الشعراء : 3 ] ، وقوله : فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً ( 6 ) [ الكهف : 6 ] ، وقوله : وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 68 ) [ المائدة : 68 ] إلى غير ذلك من الآيات . والمعنى : قد بلغت وليست مسؤولا عن شقاوتهم إذا امتنعوا من الإيمان ، فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ، فلا تحزن عليهم إذا كانوا أشقياء . قوله تعالى : وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ( 88 ) [ 88 ] . أمر اللّه جل وعلا نبيه في هذه الآية الكريمة بخفض جناحه للمؤمنين . وخفض الجناح كناية عن لين الجانب والتواضع ، ومنه قول الشاعر : وأنت الشهير بخفض الجناح * فلا تك في رفعه أجدلا وبين هذا المعنى في مواضع أخر ؛ كقوله في الشعراء : وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ