الشنقيطي
146
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقوله : إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ ( 34 ) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ ( 35 ) [ الدخان : 35 ] والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا . قوله تعالى : فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ( 85 ) [ 85 ] . أمر اللّه جل وعلا نبيه عليه الصلاة والسلام في هذه الآية الكريمة أن يصفح عمن أساء الصفح الجميل ؛ أي بالحلم والإغضاء . وقال علي وابن عباس : الصفح الجميل : الرضا بغير عتاب . وأمره صلى اللّه يشمل حكمة الأمة ؛ لأنه قدوتهم والمشرع لهم . وبين تعالى ذلك المعنى في مواضع آخر ؛ كقوله : فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 89 ) [ الزخرف : 89 ] وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً ( 63 ) [ الفرقان : 63 ] ، وقوله : سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ ( 55 ) [ القصص : 55 ] ، وقوله : فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [ البقرة : 109 ] الآية . إلى غير ذلك من الآيات . وقال بعض العلماء : هذا الأمر بالصفح منسوخ بآيات السيف . وقيل : هو غير منسوخ . والمراد به حسن المخالقة ، وهي المعاملة بحسن الخلق . قال الجوهري في صحاحه : والخلق والخلق : السجية ، يقال : خالص المؤمن ، وخالق الفاجر . قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ( 86 ) [ 86 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه الخلاق العليم . والخلاق والعليم : كلاهما صيغة مبالغة . والآية تشير إلى أنه لا يمكن أن يتصف الخلاق بكونه خلاقا إلا وهو عليم بكل شيء ، لا يخفى عليه شيء ، إذ الجاهل بالشيء لا يمكنه أن يخلقه . وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة ، كقوله تعالى : قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ( 79 ) [ يس : 79 ] ، وقوله : أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 14 ) [ الملك : 14 ] ، وقوله : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 29 ) [ البقرة : 29 ] ، وقوله : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ( 12 ) [ الطلاق : 12 ] ، وقوله تعالى مجيبا للكفار لما أنكروا البعث وقالوا : أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ( 3 ) [ ق : 3 ] مبينا أن العالم بما تمزق في الأرض من أجسادهم قادر على إحيائهم : قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ ( 4 ) [ ق : 4 ] إلى غير ذلك من الآيات . قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ( 87 ) [ 87 ] .