جلال الدين السيوطي
93
الإتقان في علوم القرآن
ومنها : وَرَبُّ الْمَشارِقِ [ الصافات : 5 ] أي : والمغارب . ومنها : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 2 ] أي : وللكافرين . قاله ابن الأنباريّ ، ويؤيده قوله : هُدىً لِلنَّاسِ [ البقرة : 185 ] . ومنها : إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ [ النساء : 176 ] أي : ولا والد ، بدليل أنّه أوجب للأخت النّصف ، وإنما يكون ذلك مع فقد الأب ، لأنه يسقطها . النوع الثالث : ما يسمى بالاحتباك : وهو من ألطف الأنواع وأبدعها ، وقلّ من تنبه له أو نبّه عليه من أهل فنّ البلاغة ، ولم أره في شرح بديعية الأعمى لرفيقه الأندلسيّ . وذكره الزركشي في « البرهان » « 1 » ولم يسمّه هذا الاسم ، بل سمّاه الحذف المقابليّ . وأفرده بالتصنيف من أهل العصر العلامة برهان الدين البقاعيّ ، قال الأندلسيّ في « شرح البديعيّة » : من أنواع البديع : الاحتباك ، وهو نوع عزيز ، وهو أن يحذف من الأوّل ما أثبت نظيره في الثاني ، ومن الثاني ما أثبت نظيره في الأوّل ، كقوله تعالى : وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ [ البقرة : 171 ] الآية ، التقدير : ومثل الأنبياء والكفار كمثل الذي ينعق والذي ينعق به ، فحذف من الأول الأنبياء لدلالة الَّذِي يَنْعِقُ عليه ، ومن الثاني الذي ينعق به لدلالة الَّذِينَ كَفَرُوا عليه . وقوله : وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ [ النمل : 12 ] التقدير : تدخل غير بيضاء ، وأخرجها تخرج بيضاء ، فحذف من الأول ( غير بيضاء ) ومن الثاني ( وأخرجها ) . وقال الزركشيّ « 2 » : هو أن يجتمع في الكلام متقابلان ، فيحذف من كلّ واحد منهما مقابله لدلالة الآخر عليه ، كقوله تعالى : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ ( 35 ) [ هود : 35 ] التقدير : إن افتريته فعليّ إجرامي وأنتم برآء منه ، وعليكم إجرامكم وأنا بريء ممّا تجرمون . وقوله : وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [ الأحزاب : 24 ] التقدير : ويعذّب المنافقين إن شاء فلا يتوب عليهم ، أو يتوب عليهم فلا يعذبهم . وقوله : وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ [ البقرة : 222 ] أي : حتى يطهرن
--> ( 1 ) إنما خصص الهداية بالمتقين ، لأنهم هم المنتفعون بالقرآن دون غيرهم . ( 2 ) البرهان 3 / 129 . ( 3 ) في البرهان 3 / 129 .