جلال الدين السيوطي

86

الإتقان في علوم القرآن

قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ [ الذاريات : 25 ] أي : سلام عليكم ، أنتم قوم منكرون . ومن الأدلّة : العقل : حيث يستحيل صحة الكلام عقلا إلّا بتقدير محذوف . ثم تارة يدلّ على أصل الحذف من غير دلالة على تعيينه ، بل يستفاد التعيين من دليل آخر ، نحو : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [ المائدة : 3 ] ؛ فإنّ العقل يدلّ على أنها ليست المحرّمة ، لأنّ التحريم لا يضاف إلى الأجرام ، وإنما هو والحلّ يضافان إلى الأفعال ، فعلم بالعقل حذف شيء . وأما تعينه - وهو التناول - فمستفاد من الشرع ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّما حرم أكلها » « 1 » لأنّ العقل لا يدرك محل الحلّ ، ولا الحرمة . وأما قول صاحب التلخيص « 2 » . إنّه من باب دلالة العقل أيضا ، فتابع فيه السكاكيّ ، من غير تأمل أنّه مبني على أصول المعتزلة . وتارة يدل العقل - أيضا - على التعيين ، نحو : وَجاءَ رَبُّكَ [ الفجر : 22 ] أي : أمره ، بمعنى عذابه ؛ لأنّ العقل دلّ على استحالة مجيء البارئ ، لأنه من سمات الحادث ، وعلى أن الجائي أمره « 3 » . أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [ المائدة : 1 ] ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ [ النحل : 91 ] أي : بمقتضى العقود وبمقتضى عهد اللّه ؛ لأنّ العقد والعهد قولان قد دخلا في الوجود ، وانقضيا فلا يتصور فيهما وفاء ولا نقض ، وإنما الوفاء والنقض بمقتضاهما وما ترتب عليهما من أحكامهما . وتارة يدلّ على التعيين العادة ، نحو : فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ [ يوسف : 32 ] دلّ العقل على الحذف ، لأنّ يوسف لا يصح ظرفا للوم . ثم يحتمل أن يقدّر : ( لمتنّني في حبّه ) لقوله : قَدْ شَغَفَها حُبًّا [ يوسف : 30 ] ، وفي مراودتها لقوله : تُراوِدُ فَتاها [ يوسف : 30 ] ، والعادة دلّت على الثاني ، لأنّ الحبّ المفرط لا يلام صاحبه عليه عادة ،

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 1292 - 2221 - 5531 - 5532 - 6686 ) ، ومسلم ( 364 ) ، والنسائي 7 / 172 - 173 ، وأبو داود ( 4120 - 4121 ) ، ومالك 2 / 498 ، وأحمد 6 / 327 - 328 - 365 - 429 ، وعبد الرزاق ( 184 ) ، والطحاوي 1 / 470 ، وابن حبان ( 1280 - 1281 - 1283 - 1284 - 1285 ) ، والطبراني ( 11765 ) ، والدارقطني 1 / 41 - 42 ، والبيهقي في سننه 1 / 15 - 17 - 20 ، من طرق عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما . ( 2 ) انظر التلخيص في علوم البلاغة ص 53 . ( 3 ) إن في قوله تعالى : وَجاءَ رَبُّكَ إثبات لصفة المجيء ، للّه تعالى ، فلا يجوز تأويل ذلك بأن المجيء لأمر اللّه ، أو عذابه . . . انظر الرد على هذه التأويلات الضالة في مختصر الصواعق المرسلة ، والصفات للحافظ عبد الغني ص 80 - 83 ، بتحقيقي .