جلال الدين السيوطي
87
الإتقان في علوم القرآن
لأنه ليس اختياريا ، بخلاف المراودة ، للقدرة على دفعها . وتارة يدلّ عليه التصريح به في موضع آخر ، وهو أقواها ، نحو : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ [ البقرة : 210 ] . أي : أمره ، بدليل : أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ [ النحل : 33 ] وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ [ آل عمران : 133 ] أي : كعرض ، بدليل التصريح به في آية الحديد . رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ [ البينة : 2 ] أي : من عند اللّه ، بدليل : وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ البقرة : 101 ] « 1 » . ومن الأدلّة على أصل الحذف العادة ، بأن يكون العقل غير مانع من إجراء اللفظ على ظاهره من غير حذف ، نحو : لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ [ آل عمران : 167 ] أي : مكان قتال ، والمراد مكانا صالحا للقتال ، وإنّما كان كذلك لأنّهم كانوا أخبر الناس بالقتال ، ويتعيّرون بأن يتفوّهوا بأنهم لا يعرفونه ، فالعادة تمنع أن يريدوا : ( لو نعلم حقيقة القتال ) فلذلك قدّره مجاهد ( مكان قتال ) « 2 » . ويدل عليه : أنّهم أشاروا على النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ألّا يخرج من المدينة « 3 » . ومنها الشروع في الفعل ، نحو : ( بسم اللّه ) فيقدر ما جعلت التسمية مبدأ له ؛ فإن كانت عند الشروع في القراءة قدّرت ( أقرأ ) ، أو الأكل قدّرت ( آكل ) . وعلى هذا أهل البيان قاطبة ، خلافا لقول النّحاة أنه يقدّر ( ابتدأت ) أو ( ابتدائي ) كائن ( بسم اللّه ) . ويدل على صحّة الأوّل : التصريح به في قوله : وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها [ هود : 41 ] وفي حديث : « باسمك ربّي وضعت جنبي » « 4 » . ومنها : الصناعة النحويّة ، كقولهم في : لا أُقْسِمُ [ القيامة : 1 ] التقدير ( لأنا أقسم ) ؛ لأنّ فعل الحال لا يقسم عليه . وفي : تَاللَّهِ تَفْتَؤُا [ يوسف : 85 ] التقدير : ( لا تفتأ ) لأنه لو كان الجواب مثبتا دخلت اللّام والنّون ، كقوله : وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ [ الأنبياء : 57 ] . وقد توجب الصناعة التقدير ، وإن كان المعنى غير متوقّف عليه ، كقولهم في :
--> ( 1 ) انظر التعليق السابق للأهمية . ( 2 ) انظر تفسير الطبري 3 / 511 ، روي عن مجاهد قوله : لو نعلم أنا وجدنا معكم قتالا ، لو نعلم مكان قتال لاتبعناكم . ( 3 ) انظر تفسير الطبري 3 / 510 - 511 . ( 4 ) رواه البخاري ( 6320 - 7393 ) ، ومسلم ( 2714 ) ، وأبو داود ( 5050 ) ، والترمذي ( 3401 ) ، والنسائي في عمل اليوم والليلة ( 791 - 794 ) ، والبخاري في الأدب المفرد ( 1217 ) ، وأحمد 2 / 283 - 295 - 422 - 432 ، وعبد الرزاق ( 19830 ) ، وابن حبان في صحيحه ( 5534 - 5535 ) .