جلال الدين السيوطي

67

الإتقان في علوم القرآن

الثالث : ( أنّما ) بالفتح ، عدّها من طرق الحصر الزمخشري « 1 » والبيضاويّ « 2 » ، فقالا في قوله تعالى : قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ [ الأنبياء : 108 ] : إنّما لقصر الحكم على شيء ، أو لقصر الشيء على حكم ، نحو : ( إنّما زيد قائم ) و ( إنما يقوم زيد ) . وقد اجتمع الأمران في هذه الآية ، لأنّ : إِنَّما يُوحى إِلَيَّ مع فاعله بمنزلة : إنما يقوم زيد ، و أَنَّما إِلهُكُمْ بمنزلة : إنما زيد قائم . وفائدة اجتماعهما الدلالة على أنّ الوحي إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم مقصور على استئثار اللّه بالوحدانية . وصرّح التّنوخيّ في « الأقصى القريب » بكونها للحصر ، فقال : كلّما أوجب أنّ ( إنّما ) بالكسر للحصر أوجب أنّ ( أنّما ) بالفتح للحصر ، لأنها فرع عنها ، وما ثبت للأصل ثبت للفرع ، ما لم يثبت مانع منه ، والأصل عدمه . وردّ أبو حيان « 3 » على الزمخشريّ ما زعمه بأنّه يلزمه انحصار الوحي في الوحدانيّة . وأجيب : بأنه حصر مجازيّ باعتبار المقام . الرابع : العطف ب ( لا ) أو ( بل ) ، ذكره أهل البيان ، ولم يحكوا فيه خلافا . ونازع فيه الشيخ بهاء الدين في « عروس الأفراح » فقال : أي قصر في العطف ب ( لا ) إنما فيه نفي وإثبات ، فقولك : زيد شاعر لا كاتب ، لا تعرّض فيه لنفي صفة ثالثة ، والقصر إنّما يكون بنفي جميع الصفات غير المثبت حقيقة أو مجازا ، وليس هو خاصا بنفي الصفة التي يعتقدها المخاطب . وأما العطف ب ( بل ) ، فأبعد منه ، لأنه لا يستمرّ فيها النفي والإثبات . الخامس : تقديم المعمول ، نحو : إِيَّاكَ نَعْبُدُ [ الفاتحة : 5 ] . لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ [ آل عمران : 158 ] . وخالف فيه قوم ، وسيأتي بسط الكلام فيه قريبا . السادس : ضمير الفصل ، نحو : فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ [ الشورى : 9 ] أي : لا غيره . وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ البقرة : 5 ] . إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ [ آل عمران : 62 ] . إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [ الكوثر : 3 ] . وممن ذكر أنه للحصر البيانيون في بحث المسند إليه ، واستدلّ له السهيليّ بأنّه : أتي به في كلّ موضع ادّعي فيه نسبة ذلك المعنى إلى غير اللّه ، ولم يؤت به حيث لم يدّع ،

--> ( 1 ) الكشاف 2 / 586 . ( 2 ) تفسير البيضاوي 4 / 48 . ( 3 ) في تفسيره البحر المحيط 6 / 344 .