جلال الدين السيوطي

68

الإتقان في علوم القرآن

وذلك في قوله : وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى [ النجم : 43 ] . إلى آخر الآيات ، فلم يؤت به في : وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ [ النجم : 45 ] . وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ [ النجم : 47 ] . وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى ( 50 ) [ النجم : 50 ] : لأنّ ذلك لم يدّع لغير اللّه ، وأتي به في الباقي لادعائه لغيره . قال في « عروس الأفراح » : وقد استنبطت دلالته على الحصر من قوله : فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ [ المائدة : 117 ] لأنّه لو لم يكن للحصر لما حسن ، لأنّ اللّه لم يزل رقيبا عليهم ، وإنّما الذي حصل بتوفيته : أنه لم يبق لهم رقيب غير اللّه تعالى . ومن قوله : لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ ( 20 ) [ الحشر : 20 ] . فإنّه ذكر لتبيين عدم الاستواء ؛ وذلك لا يحسن إلّا بأن يكون الضمير للاختصاص . السابع : تقدم المسند إليه ، على ما قال الشيخ عبد القاهر : قد يقدّم المسند إليه ليفيد تخصيصه بالخبر الفعلي . والحاصل على رأيه أنّ له أحوالا : أحدها : أن يكون المسند إليه معرفة والمسند مثبتا ، فيأتي للتخصيص ، نحو : أنا قمت ، وأنا سعيت في حاجتك . فإن قصد به قصر الإفراد أكّد بنحو ( وحدي ) . أو : قصر القلب أكّد بنحو ( لا غيري ) . ومنه : بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ [ النمل : 36 ] فإنّ ما قبله من قوله : أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ [ النمل : 36 ] ولفظ ( بل ) المشعر بالإضراب يقضي بأنّ المراد ( بل أنتم لا غيركم ) ، فإنّ المقصود نفي فرحه هو بالهدية ، لا إثبات الفرح لهم بهديتهم . قاله في « عروس الأفراح » . قال : وكذا قوله : لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ [ التوبة : 101 ] . أي لا نعلمهم إلّا نحن . وقد يأتي للتقوية والتأكيد دون التخصيص ، قال الشيخ بهاء الدين : ولا يتميّز ذلك إلّا بما يقتضيه الحال وسياق الكلام . ثانيها : أن يكون المسند منفيّا ، نحو : ( أنت لا تكذب ) ، فإنّه أبلغ في نفي الكذب من ( لا تكذب ) ، ومن ( لا تكذب أنت ) . وقد يفيد التخصيص . ومنه : فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ [ القصص : 66 ] . ثالثها : أن يكون المسند إليه نكرة مثبتا ، نحو : ( رجل جاءني ) ، فيفيد التخصيص إمّا بالجنس أي : لا امرأة ، أو الوحدة ، أي : لا رجلان . رابعها : أن يلي المسند إليه حرف النفي ، فيفيده ، نحو : ( ما أنا قلت هذا ) أي : لم أقله ، مع أنّ غيري قاله . ومنه : وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ [ هود : 91 ] أي : العزيز علينا رهطك لا أنت ، ولذا قال : أَ رَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ [ هود : 92 ] .