جلال الدين السيوطي
61
الإتقان في علوم القرآن
خامسها : قصد الاختصار ، كالكناية عن ألفاظ متعدّدة بلفظ ( فعل ) . نحو : لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ [ المائدة : 79 ] . فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [ البقرة : 24 ] أي : فإن لم تأتوا بسورة من مثله . سادسها : التنبيه على مصيره ، نحو : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [ المسد : 1 ] أي : جهنّميّ مصيره إلى اللهب ، حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِها حَبْلٌ [ المسد : 4 ، 5 ] أي : نمّامة ، مصيرها إلى أن تكون حطبا لجهنم ، في جيدها غلّ . قال بدر الدين بن مالك في « المصباح » : إنّما يعدل عن التصريح إلى الكناية لنكتة ، كالإيضاح ، أو بيان حال الموصوف ، أو مقدار حاله ، أو القصد إلى المدح أو الذمّ أو الاختصار ، أو السّتر ، أو الصيانة ، أو التعمية والإلغاز ، أو التعبير عن الصعب بالسهل ، أو عن المعنى القبيح باللفظ الحسن . واستنبط الزمخشري « 1 » نوعا من الكناية غريبا ، وهو : أن تعمد إلى جملة معناها على خلاف الظاهر ، فتأخذ الخلاصة ، من غير اعتبار مفرداتها بالحقيقة والمجاز ، فتعبّر بها عن المقصود ، كما تقول في نحو : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [ طه : 5 ] : إنّه كناية عن الملك ، فإنّ الاستواء على السرير لا يحصل إلّا مع الملك ، فجعل كناية عنه . وكذا قوله : وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [ الزمر : 67 ] . كناية عن عظمته وجلالته ، من غير ذهاب بالقبض واليمين إلى جهتين : حقيقة ومجاز . تذنيب : من أنواع البديع التي تشبه الكناية الإرداف ؛ وهو أن يريد المتكلم معنى ، ولا يعبّر عنه بلفظه الموضوع له ، ولا بدلالة الإشارة ، بل بلفظ يرادفه ، كقوله تعالى : وَقُضِيَ الْأَمْرُ [ هود : 44 ] . والأصل : ( وهلك من قضى اللّه هلاكه ، ونجا من قضى اللّه نجاته ) . وعدل عن ذلك إلى لفظ الإرداف لما فيه من الإيجاز ، والتنبيه على أن هلاك الهالك ونجاة الناجي كان بأمر آمر مطاع ، وقضاء من لا يردّ قضاؤه ، والأمر يستلزم آمرا ، فقضاؤه يدلّ على قدرة الآمر به وقهره ، وأن الخوف من عقابه ورجاء ثوابه يحضّان على طاعة الآمر ؛ ولا يحصل ذلك كله من اللفظ الخاصّ .
--> ( 1 ) الكشاف 2 / 530 . قال الزركشي في البرهان 2 / 309 : « وقد اعترض الإمام فخر الدين على ذلك بأنها تفتح باب تأويلات الباطنية ، فلهم أن يقولوا : المراد من قوله : فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [ طه : 12 ] : الاستغراق في الخدمة من غير الذهاب إلى نعل وخلعه ، وكذا نظائره . انتهى » ا ه . قلت : وقد فتح - أيضا - باب التأويل على مصراعيه حيث أوّل هؤلاء أكثر صفات اللّه تعالى ، ونفوا هذه الصفات وعطلوها . فخالفوا ما عليه أئمة السلف في الاعتقاد . انظر مجموعة : « اعتقاد أئمة السلف » بتحقيقنا لترى ما عليه هؤلاء الأئمة من الاعتقاد . واللّه الموفق .