جلال الدين السيوطي
62
الإتقان في علوم القرآن
وكذا قوله : وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ [ هود : 44 ] . حقيقة ذلك : ( جلست ) ، فعدل عن اللفظ الخاصّ بالمعنى إلى مرادفه ، لما في الاستواء من الإشعار بجلوس متمكّن لا زيغ فيه ولا ميل ، وهذا لا يحصل من لفظ ( الجلوس ) . وكذا : فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ [ الرحمن : 56 ] . الأصل ( عفيفات ) وعدل عنه للدلالة على أنّهنّ مع العفة لا تطمح أعينهنّ إلى غير أزواجهنّ ولا يشتهين غيرهم . ولا يؤخذ ذلك من لفظ العفّة . قال بعضهم : والفرق بين الكناية والإرداف ، أنّ : الكناية انتقال من لازم إلى ملزوم ، والإرداف من مذكور إلى متروك . ومنه أمثلته أيضا : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [ النجم : 31 ] . عدل في الجملة الأولى عن قوله ( بالسوأى ) - مع أن فيه مطابقة للجملة الثانية - إلى : بِما عَمِلُوا تأدّبا أن يضاف السّوء إلى اللّه تعالى . فصل [ الفرق بين الكناية والتعريض ] للنّاس في الفرق بين الكناية والتعريض عبارات متقاربة : فقال الزمخشريّ : الكناية ذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له ، والتعريض : أن تذكر شيئا تدلّ به على شيء لم تذكره . وقال ابن الأثير : الكناية : ما دلّ على معنى يجوز حمله على الحقيقة والمجاز ، بوصف جامع بينهما . والتّعريض : اللفظ الدالّ على معنى لا من جهة الوضع الحقيقيّ أو المجازيّ ، كقول من يتوقّع صلة : واللّه إنّي محتاج ؛ فإنّه تعريض بالطلب ، مع أنه لم يوضع له حقيقة ولا مجازا ، وإنما فهم من عرض اللفظ ، أي : جانبه . وقال السّبكيّ في كتاب « الإغريض في الفرق بين الكناية والتعريض » : الكناية لفظ استعمل في معناه مرادا منه لازم المعنى ، فهي بحسب استعمال اللفظ في المعنى حقيقة ، والتجوّز في إرادة إفادة ما لم يوضع له . وقد لا يراد منها المعنى ، بل يعبّر بالملزوم عن اللازم ، وهي حينئذ مجاز ، ومن أمثلته : قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا [ التوبة : 81 ] فإنه لم يقصد إفادة ذلك لأنه معلوم ، بل إفادة لازمه ، وهو : أنهم يردونها ويجدون حرّها إن لم يجاهدوا . وأمّا التعريض : فهو لفظ استعمل في معناه للتلويح بغيره ، نحو : قالَ بَلْ فَعَلَهُ