جلال الدين السيوطي

60

الإتقان في علوم القرآن

[ البقرة : 235 ] . والغشيان في قوله : فَلَمَّا تَغَشَّاها [ الأعراف : 189 ] . أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : المباشرة الجماع ، ولكنّ اللّه يكنى . وأخرج عنه قال : إنّ اللّه كريم يكني ما شاء ، وإنّ الرفث هو الجماع ، وكنّى عن طلبه بالمراودة في قوله : وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ [ يوسف : 23 ] . وعنه أو عن المعانقة باللباس في قوله : هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ [ البقرة : 187 ] . وبالحرث في قوله : نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ [ البقرة : 223 ] . وكنى عن البول ونحوه بالغائط في قوله : أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ [ المائدة : 6 ] وأصله المكان المطمئن من الأرض . وكنى عن قضاء الحاجة بأكل الطعام في قوله في مريم وابنها : كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ [ المائدة : 75 ] . وكنى عن الأستاه بالأدبار في قوله : يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ [ محمد : 27 ] . أخرج ابن أبي حاتم ، عن مجاهد في هذه الآية قال : يعني أستاههم ، ولكن اللّه يكني . وأورد على ذلك التصريح بالفرج في قوله : وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها [ التحريم : 12 ] . وأجيب « 1 » : بأن المراد به فرج القميص ، والتعبير به من ألطف الكنايات وأحسنها ، أي لم يعلق ثوبها بريبة ؛ فهي طاهرة الثوب ، كما يقال : نقيّ الثوب وعفيف الذيل ، كناية عن العفّة - ومنه : وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ [ المدثر : 4 ] - وكيف يظنّ أن نفخ جبريل وقع في فرجها ، وإنّما نفخ في جيب درعها . ونظيره أيضا : وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ [ الممتحنة : 12 ] . قلت : وعلى هذا ففي الآية كناية عن كناية ، ونظيره ما تقدّم من مجاز المجاز . رابعها : قصد البلاغة والمبالغة ، نحو : أَ وَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ [ الزخرف : 18 ] . كنّى عن النساء بأنّهنّ ينشّأن في التّرفّه والتّزيّن الشاغل عن النظر في الأمور ودقيق المعاني ، ولو أتى بلفظ ( النساء ) لم يشعر بذلك ، والمراد نفي ذلك عن الملائكة . وقوله : بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ [ المائدة : 64 ] . كناية عن سعة جوده وكرمه جدا .

--> ( 1 ) انظر البرهان 2 / 305 - 306 ، وعزاه للسهيلي في « التعريف والإعلام » ص 84 .