جلال الدين السيوطي
225
الإتقان في علوم القرآن
وقال غيره « 1 » : إذا اعتبرت افتتاح كلّ سورة وجدته في غاية المناسبة لما ختم به السورة قبلها ، ثم هو يخفى تارة ويظهر أخرى : كافتتاح سورة الأنعام بالحمد ، فإنّه مناسب لختام المائدة من فصل القضاء ، كما قال تعالى : وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [ الزمر : 75 ] . وكافتتاح سورة فاطر بالحمد للّه ، فإنه مناسب لختام ما قبلها من قوله : وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ [ سبأ : 54 ] ، كما قال تعالى : فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 45 ) [ الأنعام : 45 ] . وكافتتاح سورة الحديد بالتسبيح ، فإنه مناسب لختام سورة الواقعة بالأمر به . وكافتتاح سورة البقرة بقوله : ألم ( 1 ) ذلِكَ الْكِتابُ ، فإنّه إشارة إلى الصراط في قوله : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 6 ) كأنهم لمّا سألوا الهداية إلى الصراط ، قيل لهم : ذلك الصراط الذي سألتم الهداية إليه هو الكتاب ، وهذا معنى حسن يظهر فيه ارتباط سورة البقرة بالفاتحة « 2 » . ومن لطائف سورة الكوثر « 3 » : أنها كالمقابلة للّتي قبلها ؛ لأنّ السابقة وصف اللّه فيها المنافق بأربعة أمور : البخل ، وترك الصلاة ، والرياء فيها ، ومنع الزكاة ، فذكر فيها في مقابلة البخل : إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ( 1 ) أي : الخير الكثير ، وفي مقابلة ترك الصلاة : فَصَلِّ أي : دم عليها ، وفي مقابلة الرّياء : لِرَبِّكَ أي : لرضاه لا للناس ، وفي مقابلة منع الماعون : وَانْحَرْ وأراد به التصدّق بلحم الأضاحي . وقال بعضهم : لترتيب وضع السّور في المصحف أسباب تطلع على أنه توقيفيّ صادر عن حكيم : أحدها : بحسب الحروف ، كما في الحواميم . الثاني : لموافقة أول السورة لآخر ما قبلها ، كآخر الحمد في المعنى وأول البقرة . الثالث : للتوازن في اللفظ ، كآخر تَبَّتْ وأول ( الإخلاص ) . الرابع : لمشابهة جملة السورة لجملة الأخرى كالضحى و أَ لَمْ نَشْرَحْ .
--> ( 1 ) هو الزركشي انظر البرهان 1 / 38 . ( 2 ) انظر البرهان 1 / 38 . ( 3 ) انظر البرهان 1 / 39 .