جلال الدين السيوطي

226

الإتقان في علوم القرآن

قال بعض الأئمة : وسورة الفاتحة : تضمّنت الإقرار بالربوبية والالتجاء إليه في دين الإسلام ، والصّيانة عن دين اليهوديّة والنصرانية . وسورة البقرة : تضمّنت قواعد الدين . وآل عمران : مكمّلة لمقصودها ، فالبقرة بمنزلة إقامة الدليل على الحكم ، وآل عمران بمنزلة الجواب عن شبهات الخصوم ، ولهذا ورد فيها ذكر المتشابه لما تمسّك به النصارى . وأوجب الحجّ في آل عمران ، وأمّا في البقرة فذكر أنه مشروع ، وأمر بإتمامه بعد الشروع فيه . وكان خطاب النصارى في آل عمران أكثر ، كما أن خطاب اليهود في البقرة أكثر ، لأن التوراة أصل ، والإنجيل فرع لها ، والنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا هاجر إلى المدينة دعا اليهود وجاهدهم ، وكان جهاده للنصارى في آخر الأمر . كما كان دعاؤه لأهل الشرك قبل أهل الكتاب ، ولهذا كانت السّور المكيّة فيها الدين الذي اتفق عليه الأنبياء ، فخوطب به جميع الناس ، والسّور المدنيّة فيها خطاب من أقرّ بالأنبياء من أهل الكتاب والمؤمنين ، فخوطبوا بيا أهل الكتاب ، يا بني إسرائيل ، يا أيها الذين آمنوا . وأما سورة النساء : فتضمّنت أحكام الأسباب التي بين الناس ، وهي نوعان : مخلوقة للّه ، ومقدورة لهم كالنسب والصهر ، ولهذا افتتحت بقوله : اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها ثم قال : وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ . فانظر هذه المناسبة العجيبة في الافتتاح ، وبراعة الاستهلال ، حيث تضمّنت الآية المفتتح بها ما أكثر السّور في أحكامه : من نكاح النساء ومحرّماته ، والمواريث المتعلقة بالأرحام ، وأنّ ابتداء هذا الأمر كان بخلق آدم ، ثم خلق زوجته منه ، ثم بثّ منهما رجالا ونساء في غاية الكثرة . وأما المائدة : فسورة العقود تضمّنت بيان تمام الشرائع ، ومكملات الدين ، والوفاء بعهود الرسل ، وما أخذ على الأمة ، وبها تمّ الدين ، فهي سورة التكميل ؛ لأنّ فيها تحريم الصيد على المحرم الذي هو من تمام الإحرام ، وتحريم الخمر الذي هو من تمام حفظ العقل والدين ، وعقوبة المعتدين من السّرّاق والمحاربين الذي هو من تمام حفظ الدماء والأموال ، وإحلال الطّيبات الذي هو من تمام عبادة اللّه تعالى ، ولهذا ذكر فيها ما يختص بشريعة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . كالوضوء والتيمّم ، والحكم بالقرآن على كلّ دين ، ولهذا كثر فيها من لفظ الإكمال والإتمام ، وذكر فيها أنّ من ارتدّ عوّض اللّه بخير منه ، ولا يزال هذا الدّين كاملا . ولهذا ورد أنها آخر ما نزل ، لما فيها من إشارات الختم والتمام . وهذا الترتيب بين هذه السور الأربع المدنيّات من أحسن الترتيب .