جلال الدين السيوطي

220

الإتقان في علوم القرآن

بنوّة المسيح ، ثم استطرد للرّد على العرب الزاعمين بنوّة الملائكة . ويقرب من الاستطراد - حتى لا يكادان يفترقان - حسن التخلّص ، وهو : أن ينتقل ممّا ابتدئ به الكلام إلى المقصود على وجه سهل يختلسه اختلاسا ، دقيق المعنى ؛ بحيث لا يشعر السامع بالانتقال من المعنى الأول إلّا وقد وقع عليه الثاني ، لشدّة الالتئام بينهما . وقد غلط أبو العلاء محمد بن غانم « 1 » في قوله : لم يقع منه في القرآن شيء لما فيه من التكلّف . وقال : إنّ القرآن إنما ورد على الاقتضاب الذي هو طريقة العرب من الانتقال إلى غير ملائم : ولي كما قال ، ففيه من التخلّصات العجيبة ما يحيّر العقول « 2 » . وانظر إلى سورة الأعراف : كيف ذكر فيها الأنبياء والقرون الماضية والأمم السالفة ، ثم ذكر موسى ، إلى أن قصّ حكاية السبعين رجلا ودعائه لهم ، ولسائر أمته بقوله : وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ وجوابه تعالى عنه ، ثم تخلّص بمناقب سيّد المرسلين بعد تخلّصه لأمته بقوله : قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ [ الأعراف : 156 ] من صفاتهم كيت وكيت ، وهم الذين يتّبعون الرسول النبيّ الأميّ . وأخذ في صفاته الكريمة وفضائله . وفي سورة الشعراء : حكى قول إبراهيم : وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ( 87 ) ، فتخلّص منه إلى وصف المعاد بقوله : يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ ( 88 ) [ الشعراء : 87 ، 88 ] . وفي سورة الكهف : حكى قول ذي القرنين في السدّ بعد دكّه الذي هو من أشراط الساعة ، ثم النفخ في الصور وذكر الحشر ، ووصف مآل الكفار والمؤمنين . وقال بعضهم : الفرق بين التخلّص والاستطراد : أنك في التخلّص تركت ما كنت فيه بالكلّية ، وأقبلت على ما تخلصت إليه . وفي الاستطراد : تمرّ بذكر الأمر الذي استطردت إليه مرورا كالبرق الخاطف ، ثم تتركه وتعود إلى ما كنت فيه ، كأنك لم تقصده وإنما عرض عروضا . قيل : وبهذا يظهر أنّ ما في سورتي الأعراف والشعراء من باب الاستطراد لا التخلّص ، لعودة في الأعراف إلى قصّة موسى بقوله : وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ [ الأعراف : 159 ] إلى آخره ، وفي الشعراء إلى ذكر الأنبياء والأمم .

--> ( 1 ) هو محمد بن غانم المعروف بالغانمي ، كان من فضلاء عصره ، وشعره مشهور ، وهو من شعراء نظام الملك ، انظر اللباب 3 / 166 . ( 2 ) انظر البرهان 1 / 43 .