جلال الدين السيوطي

221

الإتقان في علوم القرآن

ويقرب من حسن التخلص : الانتقال من حديث إلى آخر تنشيطا للسامع ، مفصولا بهذا ، كقوله في سورة ( ص ) بعد ذكر الأنبياء : هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ( 49 ) [ ص : 49 ] فإنّ هذا القرآن نوع من الذّكر ، لمّا انتهى ذكر الأنبياء ، وهو نوع من التنزيل ، أراد أن يذكر نوعا آخر وهو ذكر الجنة وأهلها ، ثم لما فرغ قال : هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ ( 55 ) [ ص : 55 ] فذكر النار وأهلها . قال ابن الأثير : هذا في هذا المقام من الفصل الذي هو أحسن من الوصل ، وهي علاقة أكيدة بين الخروج من كلام إلى آخر . ويقرب منه أيضا : حسن المطلب ، قال الزّنجانيّ والطّيبيّ : وهو أن يخرج إلى الغرض بعد تقدم الوسيلة ، كقوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) [ الفاتحة : 5 ] . قال الطّيبيّ : وممّا اجتمع فيه حسن التخلّص والمطلب معا قوله تعالى حكاية عن إبراهيم : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ ( 77 ) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ( 78 ) [ الشعراء : 77 ، 78 ] إلى قوله : رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ( 83 ) . قاعدة [ الأمر الكلي المفيد لعرفان مناسبات الآيات ] قال بعض المتأخّرين : الأمر الكلي المفيد لعرفان مناسبات الآيات في جميع القرآن هو : أنك تنظر إلى الغرض الذي سيقت له السورة ، وتنظر ما يحتاج إليه ذكر الغرض من المقدّمات ، وتنظر إلى مراتب تلك المقدّمات في القرب والبعد من المطلوب ، وتنظر عند انجرار الكلام في المقدّمات إلى ما يستتبعه من استشراف نفس السامع إلى الأحكام أو اللوازم التابعة له ، التي تقتضي البلاغة شفاء الغليل بدفع عناء الاستشراف إلى الوقوف عليها . فهذا هو الأمر الكلي المهيمن على حكم الربط بين جميع أجزاء القرآن ، فإذا عقلته تبيّن لك وجه النظم مفصلا بين كلّ آية وآية وفي كلّ سورة سورة . انتهى . تنبيه من الآيات ما أشكلت مناسبتها لما قبلها : من ذكر قوله تعالى في سورة القيامة : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ( 16 ) . . . [ القيامة : 17 ] الآيات ، فإنّ وجه مناسبتها لأوّل السورة وآخرها عسر جدّا ، فإنّ السورة كلها في أحوال القيامة ، حتى زعم بعض الرافضة : أنه سقط من السورة شيء . وحتى ذهب القفّال - فيما حكاه الفخر الرازيّ - أنها نزلت في الإنسان المذكور قبل في قوله :