جلال الدين السيوطي

219

الإتقان في علوم القرآن

وله أسباب « 1 » : أحدها : التنظير : فإنّ إلحاق النظير بالنظير من شأن العقلاء ، كقوله : كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ عقب قوله : أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [ الأنفال : 4 ، 5 ] فإنّه تعالى أمر رسوله أن يمضي لأمره في الغنائم على كره من أصحابه ، كما مضى لأمره في خروجه من بيته لطلب العير أو للقتال وهم له كارهون . والقصد : أنّ كراهتهم لما فعله من قسمة الغنائم ككراهتهم للخروج ، وقد تبيّن في الخروج الخير من الظفر والنصر والغنيمة وعزّ الإسلام ، فكذا يكون فيما فعله في القسمة ، فليطيعوا ما أمروا به ويتركوا هوى أنفسهم . الثاني : المضادّة : كقوله في سورة البقرة : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ [ البقرة : 6 ] الآية ، فإنّ أوّل السورة كان حديثا عن القرآن ، وأنّ من شأنه الهداية للقوم الموصوفين بالإيمان ، فلمّا أكمل وصف المؤمنين عقّب بحديث الكافرين ؛ فبينهما جامع وهمي بالتضادّ من هذا الوجه ، وحكمته التشويق والثبوت على الأول ، كما قيل : وبضدّها تتبيّن الأشياء . فإن قيل : هذا جامع بعيد ، لأنّ كونه حديثا عن المؤمنين بالعرض لا بالذات ، والمقصود بالذات الذي هو مساق الكلام إنما هو الحديث عن القرآن ، لأنه مفتتح القول . قيل : لا يشترط في الجامع ذلك ، بل يكفي التعلّق على أيّ وجه كان ، ويكفي في وجه الربط ما ذكرنا ؛ لأنّ القصد تأكيد أمر القرآن والعمل به ، والحث على الإيمان . ولهذا لمّا فرغ من ذلك قال : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا [ البقرة : 23 ] فرجع إلى الأوّل . الثالث : الاستطراد : كقوله تعالى : يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ [ الأعراف : 26 ] . قال الزمخشري « 2 » : هذه الآية واردة على سبيل الاستطراد ، عقب ذكر بدوّ السوءات وخصف الورق عليهما ، إظهارا للمنّة فيما خلق من اللباس ، ولما في العري وكشف العورة من المهانة والفضيحة ، وإشعارا بأنّ السّتر باب عظيم من أبواب التقوى . وقد خرّجت على الاستطراد قوله تعالى : لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ [ النساء : 172 ] فإنّ أول الكلام ذكر للردّ على النصارى الزاعمين

--> ( 1 ) انظر البرهان 1 / 40 . ( 2 ) الكشاف 2 / 74 ، وانظر البرهان 1 / 49 .