جلال الدين السيوطي
175
الإتقان في علوم القرآن
وقد سئل عن الحكمة في عكس هذا اللفظ ، فأجاب ابن المنير : بأنّ فائدته الإشارة إلى أنّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة . وقال الشيخ بدر الدين بن الصاحب : الحقّ أنّ كلّ واحد من فعل المؤمنة والكافر منفيّ عنه الحلّ ، أما فعل المؤمنة فيحرم لأنّها مخاطبة ، وأمّا فعل الكافر فنفي عنه الحلّ باعتبار أنّ هذا الوطء مشتمل على المفسدة ، فليس الكفار مورد الخطاب ، بل الأئمة ومن قام مقامهم مخاطبون بمنع ذلك ؛ لأنّ الشرع أمر بإخلاء الوجود من المفاسد ، فاتّضح أنّ المؤمنة نفي عنها الحلّ باعتبار ، والكافر نفي عنه الحلّ باعتبار . قال ابن أبي الإصبع : ومن غريب أسلوب هذا النوع قوله تعالى : وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ( 124 ) وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [ النساء : 124 ، 125 ] فإنّ نظم الآية الثانية عكس نظم الأولى ، لتقديم العمل في الأولى على الإيمان ، وتأخيره في الثانية عن الإسلام . ومنه نوع يسمى القلب والمقلوب المستوي ، وما لا يستحيل بالانعكاس ، وهو أن تقرأ الكلمة من آخرها إلى أولها ، كما تقرأ من أولها إلى آخرها . كقوله تعالى : كُلٌّ فِي فَلَكٍ [ الأنبياء : 33 ] ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ( 3 ) [ المدثر : 3 ] ، ولا ثالث لهما في القرآن . [ العنوان ] العنوان : قال ابن أبي الإصبع : هو أن يأخذ المتكلم في غرض ، فيأتي لقصد تكميله وتأكيده بأمثلة في ألفاظ تكون عنوانا لأخبار متقدّمة ، وقصص سالفة . ومنه نوع عظيم جدا ، وهو : عنوان العلوم ، بأن يذكر في الكلام ألفاظا تكون مفاتيح لعلوم ومداخل لها . فمن الأول قوله تعالى : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها [ الأعراف : 175 ] ، فإنّه عنوان قصة بلعام . ومن الثاني قوله تعالى : انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ ( 30 ) [ المرسلات : 30 ] الآية فيها عنوان علم الهندسة ، فإنّ الشكل المثلّث أول الأشكال ، وإذا نصب في الشمس على أيّ ضلع من أضلاعه لا يكون له ظلّ ، لتحديد رؤوس زواياه ؛ فأمر اللّه تعالى أهل جهنّم بالانطلاق إلى ظلّ هذا الشكل تهكّما بهم .