جلال الدين السيوطي

165

الإتقان في علوم القرآن

الملائكة في قوله : وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ ( 21 ) [ ق : 21 ] ، والأنبياء في قوله : فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ( 41 ) [ النساء : 41 ] ، وأمة محمد في قوله : لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [ البقرة : 143 ] ، والأعضاء في قوله : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ [ النور : 24 ] . وقوله : يَوْمَ التَّنادِ [ غافر : 32 ] قرئ مخفّفا ومشدّدا ، فالأوّل مأخوذ من قوله : وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ [ الأعراف : 44 ] ، والثاني من قوله : يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ( 34 ) [ عبس : 34 ] . [ الإبدال « 1 » ] الإبدال : هو إقامة بعض الحروف مقام بعض . وجعل منه ابن فارس فَانْفَلَقَ أي انفرق ، ولهذا قال : فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ [ الشعراء : 63 ] فالرّاء واللّام متعاقبتان . وعن الخليل في قوله تعالى : فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ [ الإسراء : 5 ] إنّه أريد ( فحاسوا ) فجاءت الجيم مقام الحاء . وقد قرئ بالحاء أيضا . وجعل منه الفارسيّ : إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ [ ص : 32 ] أي : الخيل . وجعل منه أبو عبيدة « 2 » : إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً [ الأنفال : 35 ] أي : تصددة . [ تأكيد المدح بما يشبه الذم ] تأكيد المدح بما يشبه الذّم : قال ابن أبي الإصبع : هو في غاية العزة في القرآن . قال : ولم أجد منه إلّا آية واحدة ، وهي قوله : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ [ المائدة : 59 ] فإنّ الاستثناء - بعد الاستفهام الخارج مخرج التوبيخ على ما عابوا به المؤمنين من الإيمان - يوهم أنّ ما يأتي بعده ممّا يوجب أن ينقم على فاعله ممّا يذمّ به ، فلمّا أتى بعد الاستثناء ما يوجب مدح فاعله كان الكلام متضمّنا تأكيد المدح بما يشبه الذّم . قلت : ونظيرها قوله : وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ [ التوبة : 74 ] ، وقوله : الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ [ الحج : 40 ] ، فإنّ ظاهر الاستثناء أنّ ما بعده حق يقتضي الإخراج ، فلمّا كان صفة مدح يقتضي الإكرام لا الإخراج كان تأكيدا للمدح بما يشبه الذم .

--> ( 1 ) انظر البرهان 3 / 388 . ( 2 ) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 / 246 .