جلال الدين السيوطي
166
الإتقان في علوم القرآن
وجعل منه التنوخيّ في « الأقصى القريب » : لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً ( 25 ) إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً ( 26 ) [ الواقعة : 25 ، 26 ] استثنى سَلاماً سَلاماً الذي هو ضدّ اللغو والتأثيم ، فكان ذلك مؤكدا لانتفاء اللغو والتّأثيم . انتهى . [ التفويت ] التفويت : هو إتيان المتكلم بمعان شتّى من المدح والوصف ، وغير ذلك من الفنون ، كلّ فنّ في جملة منفصلة عن أختها ، مع تساوي الجمل في الزّنة ، وتكون في الجمل الطويلة والمتوسطة والقصيرة . فمن الطويلة : الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ( 78 ) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ( 79 ) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ( 80 ) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ( 81 ) [ الشعراء : 78 - 81 ] . ومن المتوسطة : تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ [ آل عمران : 27 ] . قال ابن أبي الإصبع : ولم يأت المركب من القصيرة في القرآن . [ التقسيم « 1 » ] التقسيم : هو استيفاء أقسام الشيء الموجودة ، لا الممكنة عقلا ، نحو : هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً [ الرعد : 12 ] إذ ليس في رؤية البرق إلّا الخوف من الصواعق والطمع في الأمطار ؛ ولا ثالث لهذين القسمين . وقوله : فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ [ فاطر : 32 ] فإنّ العالم لا يخلو من هذه الأقسام الثلاثة : إمّا عاص ظالم لنفسه ، وإمّا سابق مبادر للخيرات ، وإمّا متوسّط بينهما مقتصد فيها . ونظيرها : وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً ( 7 ) فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ( 8 ) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ( 9 ) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ( 10 ) [ الواقعة : 7 - 10 ] . وكذا قوله تعالى : لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ [ مريم : 64 ] استوفى أقسام الزمان ، ولا رابع لها . وقوله : وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ [ النور : 45 ]
--> ( 1 ) انظر البرهان 3 / 471 .