جلال الدين السيوطي
164
الإتقان في علوم القرآن
ومنه الفرق بين سقى وأسقى ، فإنّ ( سقى ) لما لا كلفة معه في السقيا ، ولهذا أورده تعالى في شراب الجنة فقال : وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً [ الإنسان : 21 ] و ( أسقى ) لما فيه كلفة ، ولهذا أورده في شراب الدنيا ، فقال : وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً [ المرسلات : 27 ] ، لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً [ الجن : 16 ] ، لأنّ السقيا في الدنيا لا تخلوا من الكلفة أبدا . [ الاستدراك والاستثناء ] الاستدراك والاستثناء : شرط كونهما من البديع أن يتضمّنا ضربا من المحاسن زائدا على ما يدلّ عليه المعنى اللغوي . مثال الاستدراك : قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا [ الحجرات : 14 ] فإنّه لو اقتصر على قوله : لَمْ تُؤْمِنُوا لكان منفّرا لهم ؛ لأنهم ظنوا الإقرار بالشهادتين من غير اعتقاد إيمانا ، فأوجبت البلاغة ذكر الاستدراك ، ليعلم أنّ الإيمان موافقة القلب واللسان ، وإن انفرد اللسان بذلك يسمّى إسلاما ، لا يسمّى إيمانا . وزاد ذلك إيضاحا بقوله : وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ [ الحجرات : 14 ] فلمّا تضمّن الاستدراك إيضاح ما عليه ظاهر الكلام من الإشكال عدّ من المحاسن . ومثال الاستثناء : فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً [ العنكبوت : 14 ] فإنّ الإخبار عن هذه المدة بهذه الصيغة يمهّد عذر نوح في دعائه على قومه بدعوة أهلكتهم عن آخرهم ؛ إذ لو قيل : ( فلبث فيهم تسعمائة وخمسين عاما ) لم يكن فيه من التهويل ما في الأوّل ؛ لأنّ لفظ ( الألف ) في الأول أول ما يطرق السمع ، فيتشغل بها عن سماع بقيّة الكلام ، وإذا جاء الاستثناء لم يبق له بعد ما تقدّمه وقع يزيل ما حصل عنده من ذكر الألف . [ الاقتصاص ] الاقتصاص : ذكره ابن فارس ، وهو : أن يكون كلام في سورة مقتصا من كلام في سورة أخرى أو في تلك السورة . كقوله تعالى : وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [ العنكبوت : 27 ] والآخرة دار ثواب لا عمل فيها . فهذا مقتصّ من قوله : وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى ( 75 ) [ طه : 75 ] . ومنه : وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ( 57 ) [ الصافات : 57 ] ، مأخوذ من قوله : أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ [ سبأ : 38 ] . وقوله : وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ [ غافر : 51 ] مقتصّ من أربع آيات : لأنّ الأشهاد أربعة :