جلال الدين السيوطي
163
الإتقان في علوم القرآن
بمثله ، رعاية لحسن الجوار والمناسبة . والثاني : أن تكون ألفاظ الكلام ملائمة للمعنى المراد ؛ فإن كان فخما كانت ألفاظه فخمة ، أو جزلا فجزلة ، أو غريبا فغريبة ، أو متداولا فمتداولة ، أو متوسطا بين الغرابة والاستعمال فكذلك . فالأول : كقوله تعالى : تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً [ يوسف : 85 ] أتى بأغرب ألفاظ القسم وهي ( التاء ) فإنّها أقلّ استعمالا ، وأبعد من أفهام العامة بالنسبة إلى الباء والواو . وبأغرب صيغ الأفعال التي ترفع الأسماء وتنصب الأخبار ؛ فإنّ ( تزال ) أقرب إلى الأفهام وأكثر استعمالا منها ، وبأغرب ألفاظ الهلاك وهو ( الحرض ) فاقتضى حسن الوضع في النظم أن تجاوز كل لفظة بلفظة من جنسها في الغرابة ، توخّيا لحسن الجوار ، ورعاية في ائتلاف المعاني بالألفاظ . ولتتعادل الألفاظ في الوضع وتتناسب في النظم ، ولمّا أراد غير ذلك قال : وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ [ الأنعام : 109 ] فأتى بجميع الألفاظ متداولة لا غرابة فيها . ومن الثاني قوله تعالى : وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ [ هود : 113 ] لمّا كان الركون إلى الظالم - وهو الميل إليه والاعتماد عليه - دون مشاركته في الظلم ، وجب أن يكون العقاب عليه دون العقاب على الظلم ، فأتى بلفظ ( المسّ ) الذي هو دون الإحراق والاصطلاء . وقوله : لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا [ البقرة : 286 ] أتى بلفظ ( الاكتساب ) المشعر بالكلفة والمبالغة في جانب السّيئة لثقلها . وكذا قوله : فَكُبْكِبُوا فِيها [ الشعراء : 94 ] فهو أبلغ من ( كبّوا ) للإشارة إلى أنّهم يكبّون كبّا عنيفا فظيعا . وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ [ فاطر : 37 ] فإنّه أبلغ من ( يصرخون ) للإشارة إلى أنهم يصرخون صراخا منكرا خارجا عن الحدّ المعتاد . أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ [ القمر : 42 ] فإنّه أبلغ من ( قادر ) للإشارة إلى زيادة التمكّن في القدرة ، وأنه لا رادّ له ولا معقّب . ومثل ذلك وَاصْطَبِرْ [ مريم : 65 ] فإنّه أبلغ من ( اصبر ) . و الرَّحْمنِ فإنّه أبلغ من الرَّحِيمِ فإنّه يشعر باللطف والرفق ، كما أنّ ( الرحمن ) مشعر بالفخامة والعظمة .