جلال الدين السيوطي

162

الإتقان في علوم القرآن

ومن المتقارب : وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ( 183 ) [ الأعراف : 183 ] . [ الإدماج ] الإدماج : قال ابن أبي الإصبع : هو أن يدمج المتكلم غرضا في غرض ، أو بديعا في بديع ، بحيث لا يظهر في الكلام إلّا أحد الغرضين أو أحد البديعين . كقوله تعالى : لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ [ القصص : 70 ] أدمجت المبالغة في المطابقة ، لأنّ انفراده تعالى بالحمد في الآخرة - وهي الوقت الذي لا يحمد فيه سواه - مبالغة في الوصف بالانفراد بالحمد ، وهو - وإن خرج مخرج المبالغة في الظاهر - فالأمر فيه حقيقة في الباطن ، فإنه رب الحمد ، والمنفرد به في الدارين . انتهى . قلت : والأولى أن يقال في هذه الآية : إنّها من إدماج غرض في غرض ، فإنّ الغرض منها تفرّده تعالى بوصف الحمد ، وأدمج فيه الإشارة إلى البعث والجزاء . [ الافتنان ] الافتنان : هو الإتيان في كلام بفنّين مختلفين ، كالجمع بين الفخر والتّعزية ، في قوله تعالى : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ( 26 ) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ( 27 ) [ الرحمن : 27 ] فإنّه تعالى عزّى جميع المخلوقات من الإنس والجن والملائكة وسائر أصناف ما هو قابل للحياة ، وتمدّح بالبقاء بعد فناء الموجودات في عشر لفظات ، مع وصفه ذاته - بعد انفراده بالبقاء - بالجلال والإكرام سبحانه وتعالى ! . ومنه : ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا [ مريم : 72 ] الآية ، جمع فيها بين هناء وعزاء . [ الاقتدار ] الاقتدار : هو أن يبرز المتكلم المعنى الواحد في عدّة صور ، اقتدارا منه على نظم الكلام وتركيبه ، وعلى صياغة قوالب المعاني والأغراض . فتارة يأتي به في لفظ الاستعارة ، وتارة في صورة الإرداف ، وحينا في مخرج الإيجاز ، ومرّة في قالب الحقيقة . قال ابن أبي الإصبع : وعلى هذا أتت جميع قصص القرآن ، فإنك ترى القصة الواحدة التي لا تختلف معانيها تأتي في صور مختلفة ، وقوالب من الألفاظ متعدّدة ، حتى لا تكاد تشتبه في موضعين منه ، ولا بدّ أن تجد الفرق بين صورها ظاهرا . ائتلاف اللفظ مع اللفظ وائتلافه مع المعنى : الأول : أن تكون الألفاظ يلائم بعضها بعضا ، بأن يقرب الغريب بمثله والمتداول