جلال الدين السيوطي

161

الإتقان في علوم القرآن

المألوف ؛ فإنّ العادة الابتداء بالأب ثم الجد ثم الجدّ الأعلى ، لأنه لم يرد هنا مجرّد ذكر الآباء ، وإنّما ذكرهم ليذكر ملّتهم الّتي اتّبعها ، فبدأ بصاحب الملّة ، ثم بمن أخذها عنه ، أولا فأولا على الترتيب . ومثله قول أولاد يعقوب : نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ [ البقرة : 133 ] . [ الانسجام ] الانسجام : هو أن يكون الكلام - لخلوّه من العقادة - منحدرا كتحدّر الماء المنسجم . ويكاد لسهولة تركيبه وعذوبة ألفاظه أن يسيل رقّة . والقرآن كلّه كذلك . قال أهل البديع : وإذا قوي الانسجام في النثر جاءت قراءته موزونة بلا قصد ، لقوّة انسجامه . ومن ذلك ما وقع في القرآن موزونا : فمنه من بحر الطويل : فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [ الكهف : 29 ] . ومن المديد : وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا [ هود : 37 ] . ومن البسيط : فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ [ الأحقاف : 25 ] . ومن الوافر : وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ [ التوبة : 14 ] . ومن الكامل : وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ البقرة : 213 ] . ومن الهزج : فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً [ يوسف : 93 ] . ومن الرجز : وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا ( 14 ) [ الإنسان : 14 ] . ومن الرمل : وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ [ سبأ : 13 ] . ومن السريع : أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ [ البقرة : 259 ] . ومن المنسرح : إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ [ الإنسان : 2 ] . ومن الخفيف : لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً [ النساء : 78 ] . ومن المضارع : يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ [ غافر : 32 ، 33 ] . ومن المقتضب : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [ البقرة : 10 ] . ومن المجتث : نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 49 ) [ الحجر : 49 ] .