جلال الدين السيوطي

128

الإتقان في علوم القرآن

جميع ما تقع الخواطر عليه ، فلا يبقى لأحد فيه مساغ . النوع العشرون : الاعتراض « 1 » : وسمّاه قدامة « 2 » : التفاتا ، وهو : الإتيان بجملة أو أكثر لا محلّ لها من الإعراب ، في أثناء كلام أو كلامين اتصلا معنى ، لنكتة غير دفع الإيهام . كقوله : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ ( 57 ) [ النحل : 57 ] فقوله : سُبْحانَهُ اعتراض لتنزيه اللّه سبحانه وتعالى عن البنات ، والشناعة على جاعليها . وقوله : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [ الفتح : 27 ] فجملة الاستثناء اعتراض للتبرّك . ومن وقوعه بأكثر من جملة : فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ [ البقرة : 222 - 223 ] فقوله : نِساؤُكُمْ متصل بقوله : فَأْتُوهُنَّ لأنه بيان له ، وما بينهما اعتراض للحثّ على الطهارة وتجنّب الأدبار . وقوله : يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ إلى قوله : وَقِيلَ بُعْداً [ هود : 44 ] فيه اعتراض بثلاث جمل ، وهي : وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ قال في « الأقصى القريب » : ونكتته إفادة أن هذا الأمر واقع بين القولين لا محالة ، ولو أتى به آخرا لكان الظاهر تأخّره ، فبتوسّطه ظهر كونه غير متأخّر . ثم فيه اعتراض ، فإنّ وَقُضِيَ الْأَمْرُ معترض بين وَغِيضَ و وَاسْتَوَتْ لأنّ الاستواء يحصل عقب الغيض « 3 » . وقوله : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ( 46 ) إلى قوله : مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ [ الرحمن : 46 - 54 ] . فيه اعتراض بسبع جمل إذا أعرب حالا منه . ومن وقوع اعتراض في اعتراض : فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ( 75 ) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ( 76 ) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [ الواقعة : 75 - 77 ] . اعتراض بين القسم وجوابه بقوله : وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ الآية . وبين القسم وصفته بقوله : لَوْ تَعْلَمُونَ تعظيما للمقسم به وتحقيقا

--> ( 1 ) البرهان 3 / 56 . ( 2 ) هو قدامة بن جعفر ، أبو الفرج ، صاحب كتاب نقد الشعر . انظر نقد الشعر ص 87 . ( 3 ) انظر البرهان 3 / 62 . ( 4 ) المقسم عليه هاهنا قوله ؛ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ووقع الاعتراض بين القسم وجوابه بقوله : وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ . ووقع الاعتراض بين الصفة والموصوف في جملة هذا الاعتراض بقوله تعالى : لَوْ تَعْلَمُونَ فجاء هذا الاعتراض في ضمن هذا الاعتراض ألطف شيء وأحسنه موقعا ، وأحسن ما يقع هذا الاعتراض إذا تضمن تأكيدا أو تنبيها أو احترازا . انظر التبيان في أقسام القرآن ص 200 بتحقيقنا .