جلال الدين السيوطي

123

الإتقان في علوم القرآن

الأبيّة ، فأعيد لفظ الظاهر لنفي هذا ، ولم يقل : ( من وعائه ) لئلا يتوهم عود الضمير إلى يوسف ؛ لأنّ العائد عليه ضمير اسْتَخْرَجَها . ومنها : قصد تربية المهابة : وإدخال الرّوع على ضمير السامع ، بذكر الاسم المقتضي لذلك ، كما تقول : الخليفة أمير المؤمنين يأمرك بكذا . ومنه : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [ النساء : 58 ] ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ [ النحل : 90 ] . ومنها : قصد تقوية داعية المأمور : ومنه : فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [ آل عمران : 159 ] « 1 » . ومنها : تعظيم الأمر : نحو : أَ وَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [ العنكبوت : 19 ] ، قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ [ العنكبوت : 20 ] ، هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ( 1 ) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ [ الإنسان : 1 ، 2 ] . ومنها : الاستلذاذ بذكره : ومنه : وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ [ الزمر : 74 ] لم يقل : ( منها ) ، ولهذا عدل عن ذكر الأرض إلى الجنة . ومنها : قصد التوصّل من الظاهر إلى الوصف : ومنه : فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ بعد قوله ؛ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ [ الأعراف : 158 ] . لم يقل : ( فأمنوا باللّه وبي ) ليتمكّن من إجراء الصفات التي ذكرها ، وليعلم أنّ الذي وجب الإيمان به والاتباع له هو من وصف بهذه الصفات ، ولو أتى بالضمير لم يمكن ذلك ، لأنه لا يوصف . ومنها : التنبيه على علّية الحكم : نحو : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً [ البقرة : 59 ] ، فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ [ البقرة : 98 ] لم يقل : ( لهم ) إعلاما بأن من عادى هؤلاء فهو كافر ، وإنّ اللّه إنّما عاداه لكفره . فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ [ يونس : 17 ] ، وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ( 170 ) [ الأعراف : 170 ] ، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ( 30 ) [ الكهف : 30 ] .

--> ( 1 ) لم يقل ( عليّ ) ، وحين قال : عَلَى اللَّهِ لم يقل : ( إنه يحب ) ، أو : ( إني أحب ) تقوية لداعية المأمور بالتوكل بالتصريح باسم المتوكل . انظر البرهان 2 / 491 .