جلال الدين السيوطي
114
الإتقان في علوم القرآن
الأنبياء كلهم ، وأنهم بمعزل عنها . قاله الزمخشري « 1 » . الرابع : الذم : نحو : فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [ النحل : 98 ] . الخامس : التأكيد لرفع الإيهام : نحو : لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ [ النحل : 51 ] ؛ فإن : إِلهَيْنِ للتثنية ، فاثنين بعده صفة مؤكدة للنّهي عن الإشراك ، ولإفادة أنّ النهي عن إلهين إنما هو لمحض كونهما اثنين فقط ، لا لمعنى آخر من كونهما عاجزين أو غير ذلك ، ولأنّ الوحدة ، تطلق ويراد بها النوعية ، كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنما نحن وبنو المطلب شيء واحد » « 2 » . وتطلق ويراد بها نفي العدّة ، فالتثنية باعتبارها ، فلو قيل : لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ فقط لتوهّم أنه نهي عن اتخاذ جنسين آلهة ؛ وإن جاز أن يتّخذ من نوع واحد عدد آلهة ، ولهذا أكد بالوحدة قوله : إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ [ الأنعام : 19 ] . ومثله : فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [ المؤمنون : 27 ] ، على قراءة تنوين كُلٍّ « 3 » . وقوله : فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ ( 13 ) [ الحاقة : 13 ] ، فهو تأكيد لرفع توهم تعدّد النفخة ؛ لأنّ هذه الصيغة قد تدلّ على الكثرة ، بدليل : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [ إبراهيم : 34 ] . ومن ذلك قوله : فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ [ النساء : 176 ] ، فإن لفظ كانَتَا تفيد التثنية ، فتفسيره باثنتين لم يفد زيادة عليه . وقد أجاب عن ذلك الأخفش والفارسيّ « 4 » : بأنه أفاد العدد المحض مجرّدا عن الصفة ، لأنه قد كان يجوز أن يقال : فإن كانتا صغيرتين أو كبيرتين ، أو صالحتين ، أو غير ذلك من الصفات ، فلما قال : اثْنَتَيْنِ أفهم أنّ فرض الثنتين تعلّق بمجرد كونهما ثنتين فقط ، وهي فائدة لا تحصل من ضمير المثنى . وقيل أراد : ( فإن كانتا اثنتين فصاعدا ) فعبّر
--> ( 1 ) انظر الكشاف 1 / 615 . ( 2 ) رواه البخاري ( 3140 - 3229 - 3502 ) ، وأبو داود ( 2978 - 2980 ) ، والنسائي 6 / 130 - 131 ، وابن ماجة ( 2881 ) ، وابن حبان ( 3297 ) ، والطبراني ( 1591 - 1592 - 1593 - 1594 ) ، والبيهقي 2 / 149 ، و 6 / 340 - 342 . ( 3 ) انظر النشر 2 / 288 ، والكشف لمكي 1 / 528 . ( 4 ) انظر البرهان 2 / 434 ، و 2 / 436 - 473 حيث قال : « ولقد نقل ابن الحاجب في أماليه هذا الجواب عن أبي علي الفارسي ، وقد بينا أنه من كلام الأخفش ، ثم اعترض عليه بأنّ اللفظ وإن كان صالحا لإطلاقه على المثنى مجردا عن الصفات لا يصح إطلاقه خبرا دالا على التجريد من الصفات ، وإنما يعنى باللفظ ذاته الموضوعة له » ا ه .