الشنقيطي
98
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
يعني حرّرتكم من الهجاء ، فلا أهجوكم . قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ [ 90 ] الآية . يفهم من هذه الآية الكريمة أنّ الخمر نجسة العين ، لأنّ اللّه تعالى قال : إنّها رجس ، والرّجس في كلام العرب كلّ مستقذر تعافه النفس . وقيل : إنّ أصله من الركس ، وهو العذرة والنتن . قال بعض العلماء : ويدلّ لهذا مفهوم المخالفة في قوله تعالى في شراب أهل الجنّة وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً ( 21 ) [ الإنسان : 21 ] ، لأنّ وصفه لشراب أهل الجنة بأنّه طهور يفهم منه ، أنّ خمر الدنيا ليست كذلك ، وممّا يؤيّد هذا أنّ كلّ الأوصاف الّتي مدح بها تعالى خمر الآخرة منفيّة عن خمر الدنيا ، كقوله : لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ ( 47 ) [ الصافات : 47 ] ، وكقوله : لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ ( 19 ) [ الواقعة : 19 ] ، بخلاف خمر الدنيا ففيها غول يغتال العقول وأهلها يصدّعون ؛ أي يصيبهم الصداع الّذي هو وجع الرأس بسببها ، وقوله لا يُنْزِفُونَ على قراءة فتح الزاي مبنيّا للمفعول ، فمعناه : أنّهم لا يسكرون ، والنزيف السكران ، ومنه قول حميد بن ثور : نزيف ترى ردع العبير بجيبها * كما ضرّج الضاري النزيف المكلما يعني أنّها في ثقل حركتها كالسكران ، وأنّ حمرة العبير الّذي هو الطيب في جيبها كحمرة الدم على الطريد الذي ضرّجه الجوارح بدمه : فأصابه نزيف الدم من جرح الجوارح له ، ومنه أيضا قول امرئ القيس : وإذ هي تمشي كمشّي النزيف * يصرعه بالكثيب البهر وقوله أيضا : نزيف إذا قامت لوجه تمايلت * تراشى الفؤاد الرخص ألا تخترا وقول ابن أبي ربيعة أو جميل : فلثمت فاها آخذا بقرونها * شرب النزيف ببرد ماء الحشرج وعلى قراءة يُنْزِفُونَ بكسر الزاي مبنيّا للفاعل ، ففيه وجهان من التفسير للعلماء : أحدهما : أنه من أنزف القوم إذا حان منهم النزف وهو السكر ؛ ونظيره قولهم : أحصد الزرع إذا حان حصاده وأقطف العنب إذا حان قطافه ، وهذا القول معناه راجع إلى الأول . والثاني : أنّه من أنزف القوم إذا فنيت خمورهم ، ومنه قول الحطيئة : لعمري لئن أنزفتموا أو صحوتموا * لبئس الندامى أنتم آل أبجرا