الشنقيطي
99
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وجماهير العلماء على أنّ الخمر نجسة العين لما ذكرنا ، وخالف في ذلك ربيعة واللّيث ، والمزني صاحب الشافعي ، وبعض المتأخّرين من البغداديّين والقرويّين ، كما نقله عنهم القرطبيّ في تفسيره . واستدلّوا لطهارة عينها بأنّ المذكورات معها في الآية من مال ميسر ، ومال قمار وأنصاب وأزلام ليست نجسة العين ، وإن كانت محرّمة الاستعمال . وأجيب من جهة الجمهور بأنّ قوله رِجْسٌ يقتضي نجاسة العين في الكلّ ، فما أخرجه إجماع ، أو نصّ خرج بذلك ، وما لم يخرجه نصّ ولا إجماع ، لزم الحكم بنجاسته ، لأنّ خروج بعض ما تناوله العام بمخصّص من المخصصات ، لا يسقط الاحتجاج به في الباقي ، كما هو مقرّر في الأصول ، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود : وهو حجّة لدى الأكثر إن * مخصّص له معينا يبن وعلى هذا ، فالمسكر الّذي عمّت البلوي اليوم بالتطيّب به المعروف في اللّسان الدارجي بالكولانيا نجس لا تجوز الصلاة به ، ويؤيّده أنّ قوله تعالى في المسكر فَاجْتَنِبُوهُ يقتضي الاجتناب المطلق الّذي لا ينتفع معه بشيء من المسكر ، وما معه في الآية بوجه من الوجوه ، كما قاله القرطبي وغيره . قال مقيّده عفا اللّه عنه : لا يخفى على منصف أن التضمّخ بالطّيب المذكور والتلّذذ بريحه واستطابنه . واستحسانه مع أنه مسكر ، واللّه يصرّح في كتابة بأنّ الخمر رجس فيه ما فيه ، فليس للمسلم أن يتطيّب بما يسمع ربّه يقول فيه : إنه رجس كما هو واضح ، ويؤيّده « أنّه صلى اللّه عليه وسلم أمر بإراقة الخمر » « 1 » فلو كانت فيها منفعة أخرى لبيّنها ، كما بيّن جواز الانتفاع بجلود الميتة ، ولما أراقها . واعلم أن ما استدلّ به سعيد بن الحدّاد ، القروي على طهارة عين الخمر بأنّ الصحابة أراقوها في طرق المدينة ، ولو كانت نجسة ، لما فعلوا ذلك ولنهاهم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم عن ذلك ، كما نهاهم عن التخلّي في الطرق ، لا دليل له فيه ، فإنّها لا تعمّ الطرق ، بل يمكن التحرّز منها ، لأنّ المدينة كانت واسعة ، ولم تكن الخمر كثيرة جدّا بحيث تكون نهرا أو سيلا في الطرق يعمّها كلّها ، وإنّما أريقت في مواضع يسيرة يمكن التحرّز منها ، قاله القرطبي ، وهو ظاهر . قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [ 95 ] .
--> ( 1 ) أخرجه عن أنس بن مالك : البخاري في المظالم حديث 2464 ، والتفسير حديث 4620 ، ومسلم في الأشربة حديث 3 و 4 و 5 و 9 . وأبو داود في الأشربة حديث 3675 ، والترمذي في البيوع حديث 1293 .