الشنقيطي

76

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الشنقيطي في مغازيه بقوله : وبعدها أنتهبها الألى انتهوا * لغاية الجهد وطيبة اجتووا فخرجوا فشربوا ألبانها * ونبذوا إذ سمنوا أمانها فاقتصّ منهم النبيّ أن مثّلوا * بعبده ومقلتيه سملوا واعترض على الناظم شارح النظم حمّاد لفظة : بعبده ، لأنّ الثابت أنّهم مثّلوا بالرعاء ، والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [ 35 ] ، الآية . اعلم أنّ جمهور العلماء على أنّ المراد بالوسيلة هنا هو القربة إلى اللّه تعالى بامتثال أوامره ، واجتناب نواهيه على وفق ما جاء به محمّد صلى اللّه عليه وسلم بإخلاص في ذلك للّه تعالى ، لأنّ هذا وحده هو الطريق الموصلة إلى رضى اللّه تعالى ، ونيل ما عنده من خير الدنيا والآخرة . وأصل الوسيلة : الطريق الّتي تقرّب إلى الشيء ، وتوصل إليه وهي العمل الصالح بإجماع العلماء ، لأنّه لا وسيلة إلى اللّه تعالى إلّا باتّباع رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، وعلى هذا فالآيات المبيّنة للمراد من الوسيلة كثيرة جدّا كقوله تعالى : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ الحشر : 7 ] ، وكقوله : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي [ آل عمران : 31 ] ، وقوله : قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [ النور : 54 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . وروي عن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما أنّ المراد بالوسيلة الحاجة ، ولمّا سأله نافع الأزرق هل تعرف العرب ذلك ؟ أنشد له بيت عنترة : إنّ الرجال لهم إليك وسيلة * إن يأخذوك تكحّلي وتخضّبي قال : يعني لهم إليك حاجة ، وعلى هذا القول الذي روي عن ابن عباس ، فالمعنى : وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ، واطلبوا حاجتكم من اللّه ، لأنّه وحده هو الّذي يقدر على إعطائها ، وممّا يبيّن معنى هذا الوجه قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ [ العنكبوت : 17 ] الآية ، وقوله : وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [ النساء : 32 ] الآية ، وفي الحديث « إذا سألت فاسأل اللّه » . قال مقيّده عفا اللّه عنه : التحقيق في معنى الوسيلة هو ما ذهب إليه عامّة العلماء من أنّها التقرّب إلى اللّه تعالى بالإخلاص له في العبادة ، على وفق ما جاء به الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وتفسير ابن عبّاس داخل في هذا ، لأنّ دعاء اللّه والابتهال إليه في طلب الحوائج من أعظم

--> ( 1 ) أخرجه عن ابن عباس الترمذي في صفة القيامة حديث 2516 .