الشنقيطي

77

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

أنواع عبادته الّتي هي الوسيلة إلى نيل رضاه ورحمته . وبهذا التحقيق تعلم أن ما يزعمه كثير من ملاحدة أتباع الجهّال المدّعين للتصوّف من أنّ المراد بالوسيلة في الآية الشيخ الّذي يكون له واسطة بينه وبين ربّه ، أنّه تخبّط في الجهل والعمى وضلال مبين وتلاعب بكتاب اللّه تعالى ، واتخاذ الوسائط من دون اللّه من أصول كفر الكفّار ، كما صرّح به تعالى في قوله عنهم : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ الزمر : 3 ] وقوله : وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 18 ) [ يونس : 18 ] ، فيجب على كلّ مكلّف أن يعلم أنّ الطريق الموصلة إلى رضى اللّه وجنته ورحمته هي اتّباع رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، ومن حاد عن ذلك فقد ضلّ سواء السبيل ، لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ، الآية . والظاهر أنّ الوسيلة في بيت عنترة معناها التقرّب أيضا إلى المحبوب ، لأنّه وسيلة لنيل المقصود منه ، ولذا أنشد بيت عنترة المذكور ابن جرير ، والقرطبيّ وغيرهما لهذا المعنى الّذي ذكرنا وجمع الوسيلة : الوسائل ، ومنه قول الشاعر : إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا * وعاد التصافي بيننا والوسائل وهذا الّذي فسّرنا به الوسيلة هنا هو معناها أيضا في قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ [ الإسراء : 57 ] الآية ، وليس بالمراد بالوسيلة أيضا المنزلة الّتي في الجنّة الّتي أمرنا صلى اللّه عليه وسلم أن نسألة له اللّه أن يعطيه إيّاها ، نرجو اللّه أن يعطيه إيّاها ، لإنّها لا تنبغي إلّا لعبد ، وهو يرجو أن يكون هو . قوله تعالى : يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا [ 41 ] . في هذا الآية الكريمة إجمال ، لأنّ المشار إليه بقوله هذا ، ومفسّر الضمير في قوله : فَخُذُوهُ ، وقوله : لَمْ تُؤْتَوْهُ لم يصرّح به في الآية ولكّن اللّه أشار له هنا ، وذكره في موضع آخر . واعلم أوّلا أنّ هذه الآية نزلت في اليهودي واليهودّية الّذين زنيا بعد الإحصان ، وكان اليهود قد بدّلوا حكم الرجم في التوراة ، فتعمّدوا تحريف كتاب اللّه ، واصطلحوا فيما بينهم على أنّ الزاني المحصن الّذي يعلمون أنّ حدّه في كتاب اللّه « التوراة » الرّجم أنّهم يجلدونه ويفضحونه بتسويد الوجه والإركاب على حمار ، فلّما زنى المذكوران قالوا فيما بينهم تعالوا نتحاكم إلى محمّد صلى اللّه عليه وسلم في شأن حدّهما ، فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوا عنه ذلك واجعلوه حجّة بينكم وبين اللّه تعالى ويكون نبيّ من أنبياء اللّه قد حكم فيهما بذلك ، وإن حكم بالرّجم فلا تتّبعوه ، فإذا عرفت ذلك فاعلم أنّ المراد بقوله هذا وقوله : فَخُذُوهُ ، وقوله : وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ هو الحكم المحرّف الّذي هو الجلد والتحميم كما