الشنقيطي
75
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، واستقاموا اللّقاح ، فبلغه صلى اللّه عليه وسلم خبرهم ، فأرسل في أثرهم سرّية فجاؤوا بهم ، فأمر بهم فقطّعت أيديهم وأرجلهم ، وسملت أعينهم ، وألقوا في الحرّة يستسقون ، فلا يسقون حتّى ماتوا « 1 » . وعلى هذا القول ، فهي نازلة في قوم سرقوا ، وقتلوا ، وكفروا بعد إيمانهم ، هذه هي أقوال العلماء في سبب نزولها ، والّذي يدلّ عليه ظاهر القرآن أنّها في قطّاع الطريق من المسلمين ، كما قاله جماعة من الفقهاء بدليل قوله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ [ المائدة : 34 ] الآية ، فإنّها ليست في الكافرين قطعا ؛ لأنّ الكافر تقبل توبته بعد القدرة عليه ، كما تقبل قبلها إجماعا لقوله تعالى : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ [ الأنفال : 38 ] ، وليست في المرتدّين ، لأنّ المرتدّ يقتل بردّته وكفره ، ولا يقطع لقوله صلى اللّه عليه وسلم عاطفا على ما يوجب القتل : « والتارك لدينه المفارق للجماعة » « 2 » ، وقوله : « من بدّل دينه فاقتلوه » « 3 » ، فيتعيّن أنّها في المحاربين من المسلمين ، فإن قيل : وهل يصحّ أن يطلق على المسلم أنّه محارب للّه ورسوله ؟ فالجواب : نعم . والدليل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 278 ) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [ البقرة : 278 - 279 ] . تنبيه استشكل بعض العلماء تمثيله صلى اللّه عليه وسلم بالعرنيّين ، لأنّه سمل أعينهم مع قطع الأيدي والأرجل ، مع أنّ المرتدّ يقتل ولا يمثّل به . واختلف في الجواب فقيل فيه ما حكاه الطبريّ عن بعض أهل العلم أنّ هذه الآية نسخت فعل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بهم ، وقال محمّد بن سيرين : كان ذلك قبل نزول الحدود ، وقال أبو الزناد : إنّ هذه الآية معاتبة له صلى اللّه عليه وسلم على ما فعل بهم ، وبعد العتاب على ذلك لم يعد ، قاله أبو داود . والتحقيق في الجواب هو أنّه صلى اللّه عليه وسلم فعل بهم ذلك قصاصا ، وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره أنّه صلى اللّه عليه وسلم إنّما سمل أعينهم قصاصا ، لأنّهم سملوا أعين رعاة اللّقاح ، وعقده البدويّ
--> ( 1 ) أخرجه عن أنس بن مالك : البخاري في الزكاة حديث 1501 ، والمغازي حديث 2192 ، والتفسير حديث 4610 ، والطب حديث 5685 و 5686 و 5727 ، والديات حديث 6899 ، ومسلم في القسامة حديث 9 و 10 و 11 و 12 و 13 و 14 . ( 2 ) سبق تخريجه . ( 3 ) أخرجه عن عكرمة : البخاري في الجهاد والسير حديث 3017 ، واستتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم حديث 6922 ، وأبو داود في الحدود حديث 4351 ، والترمذي في الحدود حديث 1458 ، وابن ماجة في الحدود حديث 2535 .