الشنقيطي
7
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
أما قراءة النصب : فلا إشكال فيها لأن الأرجل فيها معطوفة على الوجوه ، وتقرير المعنى عليها : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ، وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [ المائدة : 6 ] . وإنما أدخل مسح الرأس بين المغسولات محافظة على الترتيب ، لأن الرأس يمسح بين المغسولات ، ومن هنا أخذ جماعة من العلماء وجوب الترتيب في أعضاء الوضوء حسبما في الآية الكريمة . وأما على قراءة الجر : ففي الآية الكريمة إجمال ، وهو أنها يفهم منها الاكتفاء بمسح الرّجلين في الوضوء عن الغسل كالرأس ، وهو خلاف الواقع للأحاديث الصحيحة الصريحة في وجوب غسل الرجلين في الوضوء والتوعد بالنار لمن ترك ذلك ، كقوله صلى اللّه عليه وسلم : « ويل للأعقاب من النّار » « 1 » . اعلم أولا أن القراءتين إذا ظهر تعارضهما في آية واحدة لهما حكم الآيتين ، كما هو معروف عند العلماء ، وإذا علمت ذلك فاعلم أن قراءة وَأَرْجُلَكُمْ بالنصب صريح في وجوب غسل الرجلين في الوضوء ، فهي تفهم أن قراءة الخفض إنما هي لمجاورة المخفوض مع أنها في الأصل منصوبة بدليل قراءة النصب ، والعرب تخفض الكلمة لمجاورتها للمخفوض ، مع أن إعرابها النصب ، أو الرفع . وما ذكره بعضهم من أن الخفض بالمجاورة معدود من اللحن الذي يتحمل لضرورة الشعر خاصة ، وأنه غير مسموع في العطف ، وأنه لم يجز إلا عند أمن اللبس ، فهو مردود بأن أئمة اللغة العربية صرحوا بجوازه . وممن صرح به الأخفش ، وأبو البقاء ، وغير واحد . ولم ينكره إلا الزجاج ، وإنكاره له - مع ثبوته في كلام العرب ، وفي القرآن العظيم - يدل على أنه لم يتتبع المسألة تتبعا كافيا . والتحقيق : أن الخفض بالمجاورة أسلوب من أساليب اللغة العربية ، وأنه جاء في القرآن لأنه بلسان عربي مبين . فمنه في النعت قول امرئ القيس : كأن ثبيرا في عرانين ودقه * كبير أناس في بجاد مزمل بخفض « مزمل » بالمجاورة ، مع أنه نعت « كبير » المرفوع بأنه خبر « كأن » وقول ذي الرمة :
--> ( 1 ) سبق تخريجه .