الشنقيطي

66

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ [ النحل : 126 ] الآية ، ويقول : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [ البقرة : 194 ] ، فإن لم يمكن استيفاؤه من غير زيادة سقط القصاص ، ووجبت الدّية ، ولأجل هذا أجمع العلماء على أنّ ما يمكن استيفاؤه من غير حيف ، ولا زيادة ، فيه القصاص المذكور في الآية ، في قوله تعالى : وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ [ المائدة : 45 ] ، وكالجراح الّتي تكون في مفصل ، كقطع اليد ، والرّجل من مفصليهما . واختلفوا في قطع العضو من غير مفصل ، بل من نفس العظم ، فمنهم من أوجب فيه القصاص نظرا إلى أنّه يمكن من غير زيادة ، وممّن قال بهذا مالك ، فأوجب القصاص في قطع العظم من غير المفصل ، إلّا فيما يخشى منه الموت ، كقطع الفخذ ، ونحوها . وقال الشافعي : لا يجب القصاص في شيء من العظام مطلقا ، وهو مروي عن عمر ابن الخطاب ، وابن عبّاس ، وبه يقول عطاء ، والشعبيّ ، والحسن البصريّ ، والزهريّ ، وإبراهيم النخعيّ ، وعمر بن عبد العزيز ، وإليه ذهب سفيان الثوريّ ، واللّيث بن سعد ، وهو مشهور مذهب الإمام أحمد ، كما نقله عنهم ابن كثير « 1 » ، وغيره . وقال أبو حنيفة وصاحباه : لا يجب القصاص في شيء من العظام ، إلّا في السّنّ . واستدلّ من قال بأنّه لا قصاص في قطع العظم من غير المفصل ، بما رواه ابن ماجة « 2 » من طريق أبي بكر بن عيّاش ، عن دهثم بن قران ، عن نمران بن جارية ، عن أبيه جارية بن ظفر الحنفي ، أنّ رجلا ضرب رجلا على ساعده بالسّيف من غير المفصل فقطعها ، فاستعدى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، فأمر له بالدّية . فقال : يا رسول اللّه أريد القصاص ، فقال : « خذ الدّية بارك اللّه لك فيها » ولم يقض له بالقصاص . قال ابن عبد البر : ليس لهذا الحديث غير هذا الإسناد ، ودهثم بن قرّان العكليّ ضعيف أعرابيّ ليس حديثه ممّا يحتجّ به ، ونمران بن جارية ضعيف أعرابيّ أيضا ، وأبوه جارية بن ظفر مذكور في الصحابة ، ا ه . من ابن كثير « 3 » . وقال ابن حجر في [ التقريب ] « 4 » في دهثم المذكور : متروك ، وفي نمران المذكور : مجهول « 5 » ، واختلاف العلماء في ذلك ، إنّما هو من اختلافهم في تحقيق مناط المسألة ، فالّذين يقولون بالقصاص : يقولون : إنّه يمكن من غير حيف ، والّذين يقولون : بعدمه ،

--> ( 1 ) التفسير 2 / 64 . ( 2 ) كتاب الديات حديث 2636 . ( 3 ) التفسير 2 / 64 . ( 4 ) تقريب التهذيب 1 / 236 . ( 5 ) تقريب التهذيب 2 / 307 .