الشنقيطي
67
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
يقولون : لا يمكن إلّا بزيادة ، أو نقص ، وهم الأكثر . ومن هنا منع العلماء القصاص ، فيما يظنّ به الموت ، كما يعد الموضحة من منقّلة أطارت بعض عظام الرأس ، أو مأمومة وصلت إلى أمّ الدّماغ ، أو دامغة خرقت خريطته ، وكالجائفة ، وهي الّتي نفذت إلى الجوف ، ونحو ذلك للخوف من الهلاك . وأنكر الناس على ابن الزّبير القصاص في المأمومة . وقالوا : ما سمعنا بأحد قاله قبله « 1 » ، واعلم أن العين الصّحيحة لا تؤخذ بالعوراء ، واليد الصحيحة لا تؤخذ بالشلّاء ، ونحو ذلك ، كما هو ظاهر . تنبيه إذا اقتصّ المجنيّ عليه من الجاني ، فيما دون النفس ، فمات من القصاص ، فلا شيء على الّذي اقتصّ منه ، عند مالك ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وهو قول الجمهور من الصحابة ، والتابعين ، وغيرهم . وقال أبو حنيفة : تجب الدّية في مال المقتصّ ، وقال الشعبيّ ، وعطاء ، وطاوس ، وعمرو بن دينار ، والحارث العكليّ ، وابن أبي ليلى ، وحمّاد بن أبي سليمان ، والزّهري ، والثوريّ ، تجب الدّية على عاقلة المقتصّ له . وقال ابن مسعود ، وإبراهيم النخعيّ ، والحكم بن عتيبة ، وعثمان البتيّ ، يسقط عن المقتصّ له قدر تلك الجراحة ، ويجب الباقي في ماله ، قاله ابن كثير « 2 » . والحقّ أنّ سراية القود غير مضمونة ، لأنّ من قتله القود ، قتله الحقّ ، كما روي عن أبي بكر ، وعمر ، وغيرها ، بخلاف سراية الجناية ، فهي مضمونة ، والفرق بينهما ظاهر جدا . واعلم أنه لا تؤخذ عين ، ولا أذن ، ولا يد يسرى بيمنى ، ولا عكس ذلك ، لوجوب اتّحاد المحلّ في القصاص ، وحكي عن ابن سيرين ، وشريك أنّهما قالا بأنّ إحداهما تؤخذ بالأخرى ، والأوّل قول أكثر أهل العلم . واعلم أنه يجب تأخير القصاص في الجراح حتّى تندمل جراحة المجنيّ عليه ، فإن اقتصّ منه قبل الاندمال ، ثم زاد جرحه ، فلا شيء له . والدّليل على ذلك ، ما رواه الإمام أحمد ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه عن جدّه ، أن رجلا طعن رجلا بقرن في ركبته ، فجاء إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : « أقدني ، قال : « حتّى تبرأ » ، ثمّ جاء إليه ، فقال : أقدني ، فأقاده ، فقال : يا رسول اللّه عرجت ، فقال : « قد نهيتك
--> ( 1 ) أخرجه عن ابن جريج عبد الرزاق في المصنف ، كتاب العقول حديث 18012 . ( 2 ) التفسير 2 / 64 .