الشنقيطي
54
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وحاصل تحرير المقام في مسألة « شرع من قبلنا » أن لها واسطة وطرفين ، طرف يكون فيه شرعا لنا إجماعا ، وهو ما ثبت بشرعنا أنّه كان شرعا لمن قبلنا ، ثمّ بيّن لنا في شرعنا أنّه شرع لنا ، كالقصاص ، فإنّه ثبت بشرعنا أنّه كان شرعا لمن قبلنا ، في قوله تعالى : وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [ المائدة : 45 ] الآية ، وبين لنا في شرعنا أنه مشروع لنا في قوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [ البقرة : 178 ] ، وطرف يكون فيه غير شرع لنا إجماعا وهو أمران : أحدهما : ما لم يثبت بشرعنا أصلا أنّه كان شرعا لمن قبلنا ، كالمتلقيّ من الإسرائيليّات ، لأنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم نهانا عن تصديقهم ، وتكذيبهم فيها ، وما نهانا صلى اللّه عليه وسلم عن تصديقه لا يكون مشروعا لنا إجماعا . والثاني : ما ثبت في شرعنا أنّه كان شرعا لمن قبلنا ، وبيّن لنا في شرعنا أنّه غير مشروع لنا كالآصار ، والأغلال التي كانت على من قبلنا ، لأنّ اللّه وضعها هنا ، كما قال تعالى : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ [ الأعراف : 157 ] وقد ثبت في صحيح مسلم : « أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم لمّا قرأ رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا [ البقرة : 286 ] أنّ اللّه قال : نعم قد فعلت » . ومن تلك الآصار الّتي وضعها اللّه عنّا ، على لسان نبيّنا صلى اللّه عليه وسلم ما وقع لعبدة العجل ، حيث لم تقبل توبتهم إلّا بتقديم أنفسهم للقتل ، كما قال تعالى : فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 54 ) [ البقرة : 54 ] . والواسطة هي محلّ الخلاف بين العلماء ، وهي ما ثبت بشرعنا أنّه كان شرعا لمن قبلنا ، ولمن يبيّن لنا في شرعنا أنّه مشروع لنا ، ولا غير مشروع لنا ، وهو الذي قدّمنا أن التحقيق كونه شرعا لنا ، وهو مذهب الجمهور ، وقد رأيت أدلتهم عليه ، وبه تعلم أنّ آية : وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [ المائدة : 45 ] ، الآية ، يلزمنا الأخذ بما تضمّنته من الأحكام . مع أنّ القرآن صرّح بذلك في الجملة في قوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [ البقرة : 178 ] ، وقوله : وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً [ الإسراء : 33 ] ، وفي حديث ابن مسعود المتفق عليه المتقدم التصريح بأن ما فيها من قتل النفس بالنفس مشروع لنا ، حيث قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلّا اللّه وأنّي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلّا بإحدى ثلاث : الثيّب الزّاني ، والنّفس بالنّفس » ، الحديث « 1 » . وإلى هذا أشار البخاري في صحيحه ، حيث قال : باب قول اللّه تعالى : أَنَّ النَّفْسَ
--> ( 1 ) سبق تخريجه .