الشنقيطي
55
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
بِالنَّفْسِ ، إلى قوله : فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 45 ) [ المائدة : 45 ] ، ثمّ ذكر حديث ابن مسعود المتقدم « 1 » ، وقال ابن حجر « 2 » : والغرض من ذكر هذه الآية مطابقتها للفظ الحديث ، ولعلّه أراد أن يبيّن أنّها وإن وردت في أهل الكتاب ، فالحكم الذي دلّت عليه مستمر في شريعة الإسلام فهو أصل في القصاص في قتل العمد ، ويدّل لهذا قوله صلى اللّه عليه وسلم : « كتّاب اللّه القصاص » وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ [ المائدة : 45 ] في هذه الآية الّتي نحن بصددها ، وعلى بقية الأقوال فلا دليل في الحديث ، ولم يزل العلماء يأخذون الأحكام من قصص الأمم الماضية ، كما أوضحنا دليله . فمن ذلك قول المالكية وغيرهم : إنّ القرينة الجازمة ربّما قامت مقام البيّنة مستدلّين على ذلك بجعل شاهد يوسف شقّ قميصه من دبر قرينة على صدقه ، وكذب المرأة ، في قوله تعالى : قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ ( 26 ) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 27 ) فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ( 28 ) [ يوسف : 26 - 28 ] الآيات ، فذكره تعالى لهذا مقرّرا له يدلّ على جواز العمل به ، ومن هنا أوجب مالك حدّ الخمر على من أستنكه فشمّ في فيه ريح الخمر ، لأن ريحها في فيه قرينة على شربه إياها . وأجاز العلماء للرجل يتزوّج المرأة من غير أن يراها فتزفّها إليه ولائد ، لا يثبت بقولهنّ أمر - أن يجامعها من غير بيّنة على عينها أنّها فلانة بنت فلان الّتي وقع عليها العقد اعتمادا على القرينة ، وتنزيلا لها منزلة البينّة . وكذلك الضّيف ينزل بساحة قوم فيأتيه الصبيّ ، أو الوليدة بطعام فيباح له أكله من غير بيّنة تشهد على إذن أهل الطعام له في الأكل ، اعتمادا على القرينة . وأخذا المالكيّة وغيرهم إبطال القرينة بقرينة أقوى منها من أنّ أولاد يعقوب لما جعلوا يوسف في غيابة الجبّ ، جعلوا على قميصه دم سخلة ، ليكون الدم على قميصه قرينة على صدقهم في أنّه أكله الذئب ، فأبطلها يعقوب بقرينة أقوى منها ، وهي عدم شقّ القميص فقال : سبحان اللّه متى كان الذئب حليما كيّسا يقتل يوسف ، ولا يشقّ قميصه ؟ كما بيّنه تعالى بقوله : وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ( 18 ) [ يوسف : 18 ] ، وأخذ المالكيّة ضمان الغرم من قوله تعالى في قصّة يوسف وإخوته : وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ، وأخذ بعض الشافعيّة ضمان لوجه المعروف بالكفالة من قوله تعالى في قصّة يعقوب وبنيه لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ [ يوسف : 66 ] .
--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) فتح الباري ، كتاب الديات حديث 6877 .