الشنقيطي

5

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

نهى اللّه المسلمين في هذه الآية الكريمة أن يحملهم بغض الكفار لأجل أن صدّوهم عن المسجد الحرام في عمرة الحديبية أن يعتدوا على المشركين بما لا يحل لهم شرعا . كما روى ابن أبي حاتم في سبب نزول هذه الآية عن زيد بن أسلم ، قال : « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه بالحديبية حين صدّهم المشركون عن البيت ، وقد اشتدّ ذلك عليهم ، فمرّ بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة ، فقال أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : نصدّ هؤلاء كما صدّنا أصحابهم ، فأنزل اللّه هذه الآية » ، بلفظه من ابن كثير « 1 » . ويدل لهذا قوله قبل هذا : وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ [ المائدة : 2 ] ، وصرّح بمثل هذه الآية في قوله : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا [ المائدة : 8 ] الآية ، وقد ذكر تعالى في هذه الآية أنهم صدّوهم عن المسجد الحرام بالفعل على قراءة الجمهور أَنْ صَدُّوكُمْ بفتح الهمزة ، لأن معناها : لأجل أن صدوكم ، ولم يبين هنا حكمة هذا الصد ، ولم يذكر أنهم صدوا معهم الهدي معكوفا أن يبلغ محله ، وذكر في سورة الفتح أنهم صدوا معهم الهدي ، وأن الحكمة في ذلك المحافظة على المؤمنين والمؤمنات ، الذين لم يتميزوا عن الكفار في ذلك الوقت ، بقوله : هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 25 ) [ الفتح : 25 ] ؛ وفي هذه الآية دليل صريح على أن الإنسان عليه أن يعامل من عصى اللّه فيه ، بأن يطيع اللّه فيه . وفي الحديث : « أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك » « 2 » . وهذا دليل واضح على كمال دين الإسلام ، وحسن ما يدعو إليه من مكارم الأخلاق ، مبين أنه دين سماويّ لا شك فيه . وقوله في هذه الآية الكريمة وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ معناه : لا يحملنكم شنآن قوم على أن تعتدوا ، ونظيره من كلام العرب قول الشاعر : ولقد طعنت أبا عيينة طعنة * جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا أي حملتهم على أن يغضبوا . وقال بعض العلماء : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ أي لا يكسبنكم ، وعليه فلا تقدير لحرف الجر في قوله : أَنْ تَعْتَدُوا أي لا يكسبنكم بغضهم الاعتداء عليهم .

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير 2 / 6 . ( 2 ) أخرجه عن أبي هريرة : أبو داود في البيوع حديث 3535 ، والترمذي في البيوع حديث 1264 .