الشنقيطي
367
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
قوله تعالى : وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ( 147 ) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ ( 148 ) [ الصافات : 147 - 148 ] . قوله تعالى : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً [ 99 ] . صرح تعالى في هذه الآية الكريمة : أنه لو شاء إيمان جميع أهل الأرض لآمنوا كلهم جميعا ، وهو دليل واضح على أن كفرهم واقع بمشيئته الكونية القدرية . وبين ذلك أيضا في آيات كثيرة كقوله تعالى : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا [ الأنعام : 107 ] الآية ، وقوله : وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها [ السجدة : 13 ] ، وقوله : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى [ الأنعام : 35 ] إلى غير ذلك من الآيات . قوله تعالى : أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 99 ) [ 99 ] . بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن من لم يهده اللّه فلا هادي له ، ولا يمكن أحدا أن يقهر قلبه على الانشراح إلى الإيمان إلا إذا أراد اللّه به ذلك . وأوضح ذلك المعنى في آيات كثيرة كقوله : وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً [ المائدة : 41 ] ، وقوله : إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ [ النحل : 37 ] الآية ، وقوله : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [ القصص : 56 ] الآية ، وقوله : مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ [ الأعراف : 186 ] ، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا كما تقدم ، في « النساء » . والظاهر أنها غير منسوخة ، وأن معناها أنه لا يهدي القلوب ويوجهها إلى الخير إلا اللّه تعالى : وأظهر دليل على ذلك أن اللّه أتبعه بقوله : وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [ يونس : 100 ] الآية . قوله تعالى : قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ 101 ] الآية . أمر اللّه جل وعلا جميع عباده أن ينظروا ماذا خلق في السماوات والأرض من المخلوقات الدالة على عظم خالقها ، وكماله ، وجلاله ، واستحقاقه لأن يعبد وحده جل وعلا . وأشار لمثل ذلك بقوله : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [ فصلت : 53 ] الآية ، ووبخ في سورة « الأعراف » من لم يمتثل هذا الأمر وهدده بأنه قد يعاجله الموت فينقضي أجله قبل أن ينظر فيما أمره اللّه جل وعلا أن ينظر فيه لينبه بذلك على وجوب المبادرة في امتثال أمر اللّه - جل وعلا - وذلك في قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ [ الأعراف : 185 ] الآية .