الشنقيطي
364
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ ( 11 ) [ الحج : 11 ] . قوله تعالى : وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ [ 46 ] الآية . بين اللّه تعالى في هذه الآية الكريمة لنبيه صلى اللّه عليه وسلم ، إنه إما أن يريه في حياته بعض ما يعد الكفار من النكال والانتقام ، أو يتوفاه قبل ذلك ، فمرجعهم إليه جل وعلا لا يفوته شيء مما يريد أن يفعله بهم لكمال قدرته عليهم ، ونفوذ مشيئته جل وعلا فيهم ، وبين هذا المعنى أيضا في مواضع أخر ، كقوله في سورة « المؤمن » : فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ ( 77 ) [ غافر : 77 ] ، وقوله في « الزخرف » : فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ ( 41 ) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ ( 42 ) [ الزخرف : 41 - 42 ] إلى غير ذلك من الآيات . تنبيه لم يأت في القرآن العظيم فعل المضارع بعد إن الشرطية المدغمة في ما المزيدة لتوكيد الشرط ، إلا مقترنا بنون التوكيد الثقيلة ، كقوله هنا : وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ [ يونس : 46 ] الآية : فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ [ الزخرف : 41 ] الآية : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ [ الأنفال : 57 ] الآية : وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ [ الأنفال : 58 ] الآية . ولذلك زعم بعض العلماء العربية وجوب اقتران المضارع بالنون المذكورة في الحال المذكورة ، والحق أن عدم اقترانه بها جائز ، كقول الشاعر : فإما تريني ولي لمة * فإن الحوادث أودى بها وقول الآخر : زعمت تماضر أنني إما أمت * يسدد أبينوها الأصاغر خلتي قوله تعالى : وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ [ 47 ] . صرح تعالى في هذه الآية الكريمة : أن لكل أمة رسولا ، وبين هذا في مواضع أخر ، كقوله : وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا [ النحل : 36 ] الآية ، وقوله : وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ ( 24 ) [ فاطر : 24 ] ، وقوله : وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ( 7 ) [ الرعد : 7 ] إلى غير ذلك من الآيات ، وقد بين صلى اللّه عليه وسلم ، أن عدد الأمم سبعون أمة في حديث معاوية بن حيدة القشيري ، رضي اللّه عنه « أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها ، وأكرمها على اللّه » « 1 » وقد بينا هذه الآيات في كتابنا [ دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ] ، ووجه الجمع بينها وبين قوله : لِتُنْذِرَ
--> ( 1 ) أخرجه عن معاوية بن حيدة : الترمذي في تفسير القرآن حديث 3001 ، وابن ماجة في الزهد حديث 4288 ، وأحمد في المسند 4 / 447 .