الشنقيطي
305
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقال الإمام أحمد : إن مات قبل حيازة الغنيمة فلا سهم له ، لأنه مات قبل ثبوت المسلمين عليها ، وسواء مات حال القتال أو قبله ، وإن مات بعد إحراز الغنيمة فسهمه لورثته . قال مقيده - عفا اللّه عنه - : وهذا أظهر الأقوال عندي ، واللّه تعالى أعلم . ولا يخفى أن مذهب الإمام مالك - رحمه اللّه - في هذه المسألة مشكل ، لأن حكمه بحد الزاني والسارق ، يدل على أنه لا شبهة للغانمين في الغنيمة قبل القسم ، وحكمه بإرث نصيب من مات قبل إحراز الغنيمة إن حضر قبل القسم ، وحكمه بإرث نصيب من مات قبل إحراز الغنيمة إن حضر القتال ؛ يدل على تقرر الملك بمجرد حضور القتال ، وهو كما ترى ، والعلم عند اللّه تعالى . المسألة الثامنة : أصح الأقوال دليلا : أنه لا يقسم للنساء والصبيان الذين لا قدرة لهم على القتال ، وما جرى مجراهم ، ولكن يرضخ لهم من الغنيمة باجتهاد الإمام ، ودليل ذلك ما رواه مسلم في صحيحه ، عن ابن عباس ، لما سأله نجدة عن خمس خلال . منها : هل كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يغزو بالنساء ؟ وهل كان يضرب لهم بسهم ؟ فيكتب إليه ابن عباس : كتبت تسألي : هل كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يغزو بالنساء ، وقد كان يغزو بهن ، فيداوين الجرحى ، ويحذين من الغنيمة ، وأما بسهم فلم يضرب لهن . الحديث . وهو صريح فيما ذكرنا ، فيجب حمل ما ورد في غيره من أن النساء يسهم لهن على الرضخ المذكور في هذا الحديث المعبر عنه بقوله : « يحذين من الغنيمة » . قال النووي : قوله « يحذين » هو بضم الياء وإسكان الحاء المهملة ، وفتح الذال المعجمة ، أي يعطين تلك العطية ، وتسمى الرضخ ، وفي هذا أن المرأة تستحق الرضخ ، ولا تستحق السهم ، وبهذا قال أبو حنيفة ، والثوري ، والليث ، والشافعي ، وجماهير العلماء . وقال الأوزاعي : تستحق السهم إن كانت تقاتل ، أو تداوي الجرحى ، وقال مالك : لا رضخ لها ، وهذان المذهبان مردودان بهذا الحديث الصحيح الصريح ا ه . * * * المسألة التاسعة : اعلم أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يأخذ نفقة سنته من فيء بني النضير ، لا من المغانم « 1 » . ودليل ذلك : حديث مالك بن أوس بن الحدثان المتفق عليه ، عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، قال : دخلت على عمر ، فأتاه حاجبه يرفأ ، فقال : هل لك في عثمان ، وعبد الرحمن ، والزبير ، وسعد ؟ قال : نعم ، فأذن لهم ، ثم قال : هل لك في علي ، وعباس ؟
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في المغازي حديث 4033 ، ومسلم في الجهاد والسير حديث 48 و 49 .