الشنقيطي
306
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
قال : نعم ، قال عباس : يا أمير المؤمنين أقض بيني وبين هذا ، قال : أنشدكم باللّه ، الذي بإذنه تقوم السماء والأرض ، هل تعلمون أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال : « لا نورث ، ما تركنا صدقة » « 1 » يريد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نفسه ؟ فقال الرهط : قد قال ذلك ، فأقبل على عليّ ، وعباس ، فقال : هل تعلمان أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال ذلك ؟ قالا : قد قال ذلك ، قال عمر : فإني أحدثكم عن هذا الأمر ، إن اللّه كان خص رسوله صلى اللّه عليه وسلم في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره ، فقال عز وجل : وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ [ الحشر : 6 ] إلى قوله : اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 6 ) [ الحشر : 6 ] ، فكانت خالصة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، واللّه ما احتازها دونكم ، ولا استأثر بها عليكم ، لقد أعطاكموه ، وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال ، فكان النبي صلى اللّه عليه وسلم ينفق على أهله من هذا المال نفقة سنته ، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال اللّه ، فعمل بذاك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حياته ؛ أنشدكم باللّه ، هل تعلمون ذلك ؟ قالوا : نعم ، ثم قال لعلي ، وعباس : أنشدكما باللّه ، هل تعلمان ذلك ؟ قالا : نعم ، قال عمر : فتوفى اللّه نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال أبو بكر : أنا ولي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقبضها فعمل بما عمل به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم توفى اللّه أبا بكر فقلت : أنا ولي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقبضتها سنتين أعمل فيها ما عمل فيها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأبو بكر ، ثم جئتماني ، وكلمتكما واحدة ، وأمركما جميع : جئتني تسألني نصيبك من ابن أخيك ، وأتاني هذا يسألني نصيب امرأته من أبيها ، فقلت : إن شئتما دفعتها إليكما بذلك فتلتمسان مني قضاء غير ذلك ، فو اللّه الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها قضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة ، فإن عجزتما فادفعاها إلى ا ه . هذا لفظ البخاري في [ الصحيح ] في بعض رواياته ، ومحل الشاهد من الحديث تصريح عمر بأنه صلى اللّه عليه وسلم كان ينفق على أهله نفقة سنته من فيء بني النضير ، وتصديق الجماعة المذكورة له في ذلك ، وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما من طرق متعددة بألفاظ متقاربة المعنى . وهو نص في أن نفقة أهله صلى اللّه عليه وسلم كانت في الفيء ، لا من الغنيمة . ويدل له أيضا الحديث المتقدم « مالي مما أفاء اللّه عليكم إلا الخمس ، والخمس مردود عليكم » فإن قيل ما وجه الجمع بين ما ذكرتم ، وبين ما أخرجه أبو داود من طريق أسامة بن زيد عن الزهري ، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال : كانت لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثلاث صفايا : « بنو النضير ، وخيبر ، وفدك ؛ فأما بنو النضير فكانت حبسا لنوائبه ، وأما فدك فكانت حبسا لأبناء السبيل ؛ وأما خيبر فجزأها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثلاثة أجزاء : جزئين بين المسلمين ، وجزءا نفقة لأهله ، فما فضل عن نفقة أهله جعله بين فقراء المهاجرين » .
--> ( 1 ) أخرجه عن مالك بن أوس بن الحدثان : أبو داود في الخراج والإمارة والفيء حديث 2963 ، والترمذي في السير حديث 1610 ، والنسائي في قسم الفيء .