الشنقيطي
30
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
اعلم أن لفظة مِنَ في هذه الآية الكريمة محتملة ، لأن تكون للتبعيض ، فيتعين في التيمم التراب الذي له غبار يعلق باليد ؛ ويحتمل أن تكون لابتداء الغاية ، أي مبدأ ذلك المسح كائن من الصعيد الطيّب ، فلا يتعين ما له غبار ، وبالأول قال الشافعي ، وأحمد ، وبالثاني قال مالك ، وأبو حنيفة رحمهم اللّه تعالى جميعا . فإذا علمت ذلك ، فاعلم أن في هذه الآية الكريمة إشارة إلى هذا القول الأخير ، وذلك في قوله تعالى ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ فقوله : مِنْ حَرَجٍ نكرة في سياق النفي زيدت قبلها مِنَ والنكرة إذا كانت كذلك ، فهي نص في العموم ، كما تقرر في الأصول ، قال في [ مراقي السعود ] عاطفا على صيغ العموم : وفي سياق المنفي منها يذكر * إذا بنى أو زيد من منكر فالآية تدل على عموم النفي في كل أنواع الحرج ، والمناسب لذلك كون مِنَ لابتداء الغاية ، لأن كثيرا من البلاد ليس فيه إلا الرمال أو الجبال ، فالتكليف بخصوص ما فيه غبار يعلق باليد ، لا يخلو من حرج في الجملة . ويؤيد هذا ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أعطيت خمسا لم يعطهنّ أحد من الأنبياء قبلي : نصرت بالرّعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، فأيّما رجل من أمّتي أدركته الصّلاة فليصلّ » « 1 » ، وفي لفظ : « فعنده مسجده وطهوره » « 2 » الحديث . فهذا نص صحيح صريح في أن من أدركته الصلاة في محل ليس فيه إلا الجبال أو الرمال أن ذلك الصعيد الطيّب الذي هو الحجارة ، أو الرمل طهور له ومسجد ؛ وبه تعلم أن ما ذكره الزمخشري من تعين كون مِنَ للتبعيض غير صحيح ؛ فإن قيل : ورد في الصحيح ما يدل على تعين التراب الذي له غبار يعلق باليد ، دون غيره من أنواع الصعيد ، فقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث حذيفة رضي اللّه عنه ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « فضّلنا على النّاس بثلاث : جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة ، وجعلت لنا الأرض كلّها مسجدا ، وجعلت تربتها لنا طهورا ، إذا لم نجد الماء » « 3 » ، الحديث ، فتخصيص التراب بالطهورية في مقام الامتنان يفهم منه أن غيره من الصعيد ليس كذلك ، فالجواب من ثلاثة أوجه : الأول : أن كون الأمر مذكورا في معرض الامتنان ، مما يمنع فيه اعتبار مفهوم المخالفة ، كما تقرر في الأصول ، قال في [ مراقي السعود ] في موانع اعتبار مفهوم المخالفة :
--> ( 1 ) اخرجه البخاري في الصلاة حديث 438 ، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة حديث 3 . ( 2 ) أخرجه عن أبي أمامة الباهلي أحمد في المسند 5 / 248 . ( 3 ) كتاب المساجد حديث 4 .